فصل: باب: إِخْرَاجِ اليَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ ما ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النبي صلى الله عليه وسلّم وَعَصَاهُ وَسَيفِهِ وَقَدَحِهِ وَخَاتَمِهِ، وَما اسْتَعْمَلَ الخُلَفَاءُ بَعْدَهُ مِنْ ذلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ قِسْمَتُهُ، وَمِنْ شَعَرِهِ وَنَعْلِهِ وَآنِيَتِهِ مِمَّا تَبَرَّكَ أَصْحَابُهُ وَغَيرُهُمْ بَعْدَ وَفَاتِه

قول‏:‏ إنَّ بعضَ الأشياء قد بقيت بَعْدَه صلى الله عليه وسلّم بطريق التبرُّك، ولم تَجرِ فيها القِسْمةُ‏.‏

3109- قوله‏:‏ ‏(‏قال عاصِمٌ‏:‏ رأَيْتُ القَدَحَ، وشَرِبْتُ فِيهِ‏)‏ ولا بأس بالشرْب عندنا من قَدَحٍ فيه سِلْسِلةً ذَهَب، إذا لم يَضَع فاه على مَوْضع السلسلة‏.‏

3110- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّ عليَّ بنَ حُسينٍ حَدَّه أَنَّهم حين قَدِموا المدينةَ من عِنْدِ يَزِيدَ‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏الخ، عليَّ بن الحسين هو الامام زينُ العابدين، وكان عند مشهد أبيه غُلامًا لم يحتلم، فأشخصوا به إلى يزيد في الشام، فلما رجع إلى المدينةِ حَدَّثه، كما في الحديث‏.‏

3110- قوله‏:‏ ‏(‏ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا‏)‏ هذا تعريضٌ إلى عليَ، حيث كان يريدُ أن يَنْكِحَ بنت أبي جَهْل، ثُم إن عليًا لم يَنْكِح أحدًا مدَّة حياة فاطمةُ بعد ما سمع من مقالة النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فلما تخوفيت نَكَح بعدها الحنفيةَ‏.‏

3111- قوله‏:‏ ‏(‏فقال لي عليُّ‏:‏ اذهب إلى عُثمانَ، فاخبره أَنَّها صَدَقةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم فَمُر سُعاتَكَ يعملوا بها‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، واعلم أن الحديث قد مرَّ مِرارًا، وفيه أنَّ عَلِيًا كان عنده كتابٌ من النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ولكن لم يكن الرواةُ تعرَّضوا إلى ما فيه الأحكام بعد، وقد تعرَّض إليها الراوي في هذا الطريق، وبَيَّن أنه كانت فيه أحكامُ الزكاةِ، وقد تحقَّق كما في «مصنف» ابن أبي شيّبة أن مذهبه في زكاة السوائم كان كَمَذْهبِ الحنفيةِ، فثبت أن مذهب الحنفية ثابتٌ في صحِيفةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فإِنَّ كانت صحيفةٌ أخرى عند غيرهِ‏.‏ فلا ننكِرها أيضًا، لأنَّ الزكاة قد أُخِذت على الوجِهين عندي، كما قرره ابنُ جرير‏.‏ ويقضي العجب من مِثْل الحافظ أنه جمع أحكام تلك الصحيفة كِلَّها، إلا أنه ترك منها أحكامَ الزكاة، وأنا أدري ما يريد، والله المستعان‏.‏

3111- قوله‏:‏ ‏(‏أَغْنِها عَنَّا‏)‏ أي أبعدها عَنَّا، وإنما لم يَقْبلها عثمانُ، لأنه كان عنده أيضًا عِلْمٌ من النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فَرَغِب فيه عن غيرِه، وقد معنا الكلامُ في سبب إثارةِ تلك الفتن، وشهادة عثمانَ‏.‏

باب‏:‏ «الدليل لى أن الخمس لنوائب رسول الله صلى الله عليه وسلّم والمساكين» الخ‏.‏

باب‏:‏ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِنَوَائِبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم وَالمَسَاكِينِ، وَإِيثَارِ النبي صلى الله عليه وسلّم أَهْلَ الصُّفَّةِ وَالأَرَامِلَ، حِينَ سَأَلَتْهُ فاطِمَةُ وَشَكَتْ إِلَيهِ الطَّحْنَ وَالرَّحى أَنْ يُخْدِمَهَا مِنَ السَّبْيِ، فَوَكَلَهَا إِلَى اللَّه

واعلم أنَّ أربعةَ أخماسٍ من الغنيمة للغانمين بالاتفاق، بقي الخُمس، فقد تكفَّل القرآنُ ببيان مُستحقِّه، وذكرها في ستة، فخرجها الحنفية، على أن ذِكْر اسم الله تعالى لمجرَّدِ التبرُّك، بقي رسولُه، فسقط سَهْمُه بعد وفاته، وأما ذو قرابته، فإِنْما يُعْطون من أَجْل الفقر، وإذن لم يَبْق من الستة إلا ثلاثةٌ؛ وذهب مالكٌ إلى أنَّهم ليسوا بمستحقِّين، ولكنهم مصارِفٌ، فيصرِفُه الإِمامُ من ولايته كيف شاء، وكم شاء‏.‏

أمَّا الفيءُ فلم يذهب أحدٌ إلى إيجاب الخُمْس فيه، إلا الشافعيُّ، ولا خمْس فيه عند الجُمهور، فإِنَّه مالٌ حصَل بدون إيجافِ خَيْل، ولا رِكاب، فيستبدّ بِصَرْفه الإِمامُ، ولا يُخْرِج منه الخُمْس، ومذهبُ الشافعيِّ مرجوحٌ في ذلك‏.‏ ولعلَّ المصنِّف رَجَّح مذهب مالك، واختار أن قِسمةَ الخُمْس إلا الإِمام، يَقْسِمه كيف شاء، وترجم لذلك أربع تراجم‏:‏

الأولى‏:‏ هذه الترجمةُ، وأخرج تحتها حديثَ شِكاية فاطمةَ، وما كانت تجد من الطحن والرَّحَى‏.‏ واستدل منه على أنَّ ذوِي القرابة لو كانوا مستحقين، لأعطاها النبيُّ صلى الله عليه وسلّم غُلامًا من الخُمْس البتة؛

والثانية‏:‏ في هذه الصحفحةِ، باب قول الله‏:‏ ‏{‏فأَنَّ خُمُسَة وللرَّسُولِ‏}‏ ‏(‏الأنفال‏:‏ 41‏)‏ ثُم فَسَّره بقوله‏:‏ يعني للرسول قَسْم ذلك، فجعل القِسْمةَ إليه، يَقْسِمه كيف يشاء، والثالثة‏:‏ ما ترجم به‏:‏ باب «مَنْ قال‏:‏ ومِن الدليل على أنَّ الخُمْس لنوائب المسلمين»‏.‏‏.‏‏.‏الخ، حيثُ جعلَه في النوائب، ولم يخصَّه بِصِنْف دون صِنْف، واستدل عليه بأنه صلى الله عليه وسلّم أَعْطَى الأنصارَ وجابر من تَمْر خَيْبر، مع أنهما لم يكونا من ذوي القرابة‏.‏

والرابعة‏:‏ ما تركم به على باب‏:‏ ومِن الدليل على أن الخُمْس للإِمام‏.‏‏.‏‏.‏الخ، فهذه تراجمُ كلَّها- كما ترى- قريبةُ المعاني، ومرماها واحِدٌ، وهو الموافقةُ لمذهب مالك‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ‏}‏ ‏(‏الأنفال‏:‏ 41‏)‏

يريد به دَفْع التوهُّم الناشىء من الآية، أنك جعلت الخُمْس إلى رأي الإِمام، مع أن الآية تدلُّ على كونه مِلْكًا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فأزاحه بأنَّ إضافته إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم للقَسْم دون المِلْك‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلّم «أُحِلَّتْ لَكُمُ الغَنَائِمُ»

باب‏:‏ الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَة

باب‏:‏ مَنْ قاتَلَ لِلمَغْنَمِ، هَل يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ‏؟‏

باب‏:‏ قِسْمَةِ الإِمامِ ما يَقْدَمُ عَلَيهِ، وَيَخْبَأُ لَمِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَوْ غابَ عَنْه

باب‏:‏ كَيفَ قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم قُرَيظَةَ وَالنَّضِيرَ، وَما أَعْطَى مِنْ ذلِكَ في نَوَائِبِه

وظاهره أنَّ العنيمةَ كلَّها أُحِلَّت لعامَّةِ المسلمين، ويتبادرُ منه أن أربعةَ أخماسها أيضًا أي الإِمام، يَصْرِفها في حوائج المسلمين كيف شاء، إلا أنه ليس مذهبًا لأحدٍ، فيترك هذا التبادر، ويرادُ لها أربعة أخماسها، بقي الخُمْس، فقد صَرَّع بكونه تحت وِلايته‏.‏

3123- قوله‏:‏ ‏(‏مِن أَجْرٍ أو غَنِيمةُّ‏)‏، وقد قرَّرنا فيما أَسْلَفنا معنى «أو» وإنْ عَجِزْت أن تفهمه، فعليك أن تقول‏:‏ إنه كان في الأصل مِن أَجْر، وغنيمةٍ، أو غنيمةٍ فقط، ولما كان فيه التقابلُ بين الكلِّ والجزء جاءت العبارةُ كما ترىٍ بحَذْف أحدً الجُزْءين من المعطوف عليه، ليستقيمَ التقابلُ في اللفظ‏.‏

3124- قوله‏:‏ ‏(‏غزا نبيِّ من الأَنْبياءِ‏)‏ وهو يوشع عليه الصلاة والسلام، وقد كان موسى عليه الصلاة والسلام لبث في التَّيه أربعينَ سنة، فلما دنا أَجَلُه أُجَلُهُ أنْ يَصْعَد جبلا، فَصَعِد فرأى ما قُدِّر له من الفتوحات بعده، وأَوْصى بعد ذلك، ثُم تُوفَّي‏.‏

3124- قوله‏:‏ ‏(‏اللهُمَّ احبِسْها عَلَيْنا‏)‏ ‏.‏‏.‏الخ‏.‏ لأنها لو غَرَبت لدخل السَّبْتُ، ولما يُفْتح له، وكان يُحِبَّ أن يُفْتح له قبل دُخول السبت، لأن القتال في السبت كان ممنوعًا عندهم، وهذا السَّبْتُ عندي هو الجُمعة، فحرفوا فيه، وجعلُوه يوم السَّبْت المعروف‏.‏

باب‏:‏ بَرَكَةِ الغَازِي في مالِهِ حَيًّا وَمَيّتًا، مَعَ النبي صلى الله عليه وسلّم وَوُلاةِ الأَمْر

باب‏:‏ إِذَا بَعَثَ الإِمامُ رَسُولا في حاجَةٍ، أَوْ أَمَرَهُ بِالمُقَامِ، هَل يُسْهَمُ لَه

يعني أنَّ الزُّبيرَ كان رجلا كثيرَ الدُّيون، ولم تكن دارُه تَبلُغ وفاءَ دَيْنه، فلما استُشْهِد جعل اللهاُ فيها بركَةً حتى قضت عنه ديونَه، وبقيت منه أموالٌ، قُسِمت بين وَرَثته، كما سيجيء‏.‏

قِصَّةُ شهادة الزُّبَيْر

واعلم أن طَلْحَة، والزُّبير بايعًا عَلِيًا، وشاع في الناس أن عليًا لم يُبال بدم عثمان، ولم يأخذ بثأره، وقامت عائشةُ لتأخذَ ثأره، قاصدةٌ نحو الكُوفة، خرج الزُّبير معها، فلما بلغت فِناءَ الكُوفة، وتراءت الفئتانِ، نادى عليٌّ‏:‏ أيها الزُّبيرُ، أما تَذْكُر ما قال لك النبيُّ صلى الله عليه وسلّم إنَّك تُحِبُّ عليًا‏.‏ وأنك تقاتِلُه يومًا، وتكون اليوم طالمًا، وهو مظلومًا‏؟‏ فقال الزُّبير‏:‏ نعم، فلما تذكّر الزُّبيرُ نَكَص على عَقبه، وقال‏:‏ ما أراني إلا شهيدًا مظلومًا، وإنَّ ما يهمني ديوني التي ركبتني، فاقْضِها عني‏.‏ وكانت ديونُه مستغرقةً لجميع ماله، ومع ذلك أَوْصى لبني ابنه‏.‏ لأنه كان يَعْلم أنهم ليس لهم في الإِرث نصيبٍ، لكون اينه حيًا، فجعل لهم ثُلْثَ ثُلُثِ الوصية، وتسع الكل‏.‏ وكان الناسُ يستودِعون أموالَهم عنده، فيأبى أن يأخذها وديعةً مخافةَ الضياع، ويقول‏:‏ ليست تلك وديعةً، ولكنها سَلَفٌ وقَرْضُ عليّ، وكان رَجُلا زاهِدًا أمينًا، لم يلِ الإِمارةَ، ولا شيئًا قطّ، فلما تُوفي، وقضى عنه ابنُه دَيْنه، وفَضَل مِن ماله فاضل، قال له أخوه أن يَقْسِمه بينهم، فأبى أن يفعله، إلا بعد أن يُنادي في الموسم‏.‏ فإِنْ ظهر أنه لم يبق أحدٌ مِمَّن يكون له دينٌ عليه يَقسِمه بينهم، ففعل، ولما لم يَبْقَ من دَيْنه شيءٌ إلا وقد قضاه، أعطى الثَّمن لأزواجه، وذلك نصيبُهنَّ من التركة، وله يومئذٍ أربعُ نسوةٍ‏.‏

3129- قوله‏:‏ ‏(‏وكان بَعْضُ وَلَدِ عبدِ الله قَدْ وَازَى بَعْضَ بني الزُّبير‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، بهتيجى ججون كى برابر هو كئى‏.‏

3129- قوله‏:‏ ‏(‏وما وَليَ إمارةً‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، أي إنما كانت معيشتُه مما يَرِدُ عليه من الجهاد، والغنائم، فحسب‏.‏

3129- قوله‏:‏ ‏(‏فجميعُ مالِه خمسونَ أَلْفَ أَلْفٍ، ومئتا ألف‏)‏ أعلم أولا أنك إن أرَدْت تَحويلَ الحساب من الهندي إلى العربي، فاعلم أن أَصل في الحساب العربي في أربعُ أدوار، كلّ دورةٍ منها يتركَّبُ من أربعة أعمدة، وآخِر كلَّ دورة منها هي بعينها مبدأ لدورةٍ أُخْرى بعدها‏:‏ فالأُولى‏:‏ آحادٌ، وعشراتٌ، ومئاتٌ، وآلاف؛ والثانية‏:‏ آحادُ ألف، وعشراتُ ألف، ومئاتُ ألف، وآلاف الفٍ، فحصلت ثمانيةُ أعمد، غير أن رابعةُ الأُولى هي بعينها أُولى الثانية، فهي مكررةٌ، فالألفاظْ ثمانيةً والمراتِبُ سَبْعُ، وهكذا فَلْيُقَس في الباقية؛ والثالثة‏:‏ آحادُ أَلفَ ألف، عشراتُ ألف ألف، مئات ألف ألف، آلافُ ألف ألف؛ والرابعة‏:‏ آحادُ ألف ألف ألف، عشراتُ ألف ألف ألف، مئاتُ ألف ألف ألف، آلافُ ألف ألف ألف‏.‏

ثُم أَنَّ المجموعَ المذكورَ لا يستقيمُ بالحساب المذكور في الصحيح، فإِنَّ نصيبَ كُلِّ امرأةٍ بعد رَفْع ثُلُثِ الوصيةِ أَلْفُ ألف، ومئتا إلف باره لا كه، وكان له أَربعُ نسوةٍ، فصار مجموَ نصيبيهن أربعة آلافِ ألف، وثمان 48‏.‏00‏.‏000، وذلك ثُمُن الميراث، لانَّ نصيبَ الأزواج هو الثمن، فإِذا عَلِمنا أن المجموعَ المذكورَ ثمن التركةِ بعد رَفْع ثُلُث الوصيةِ، عَلِمنا أن التَّرِكةُ بجميع سهامها كانت ثمانية وثلاثينَ ألفَ ألف، وأربع مئة ألف من كروره جولا هي لاكيه وإذا عُلِمنا جميعَ سِهام التركة، وأنها ثُلُثا المال، علمنا مقدارَ ثُلُثِ الوصية أيضًا، وهو تسعةَ عشرَ ألف ألف، ومئتا ألف ايك كرور بانوى لا كهه وإذن مجموعُ السَّهام مع ثُلُث الوصية صار سَبْعةُ وخمسين ألف ألفٍ‏.‏ وست مئة ألف، فإِنَّ ضَمَمْنا معه قَدْرَ الدَّيْن أيضًا حصعل ستونَ أَلْفَ ألف، إلا مئتا ألف؛ وهذا كما ترى، يزيدُ على المجموع المذكور بِقَدْرِ تسعة آلاف ألف، وست مئة ألف 9600‏.‏0000‏.‏

والجواب الصحيح على ما نقل إلينا عن الشيخ الجَنْجُوجي أن قوله‏:‏ «وجميع ماله خَمْسون»، مبتدأ وخبر، وليس قوله‏:‏ «ألف ألف تمييزًا لخمسون، بال معناه جميعُ ماله خمسونَ سَهْمًا، وسَهْم واحد منها أَلْفُ ألف، ومئتا ألف في خمسين، حصل ستون ألف ألف، وكانت التركة بالحساب المذكور ستين ألف ألف، إلا مئتي ألف؛ فالمجموع الحاصل حينئذٍ يَنْقُص من المجموع المذكور بقدر مئتي أإلف، وهذا القَدْرُ قليلٌ جدًا بالنسبة إلى حساب الشارحين، فيمكن التسامحُ فيه، بأن يقال‏:‏ إنَّ الراوي قَطَع النظر عن الكَسْر، وذكر العددَ التامَّ، أي ستين ألف ألف‏.‏

وبالجملة ذهب الشارحون إلى أنَّ ألف ألف تمييزٌ لخمسونَ، ومئتا ألف، معطوفٌ على قوله‏:‏ «خَمْسونَ» وذهبنا إلى أنَّ أَلْفَ ألف ليس تمييزًا عن قوله‏:‏ «خمسون، بل هو مع معطوفةِ خَبَرٌ عن مبتدإٍ محذوفٍ، كما ذكرناه، والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

باب‏:‏ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِنَوَائِبِ المُسْلِمِينَ ما سَأَلَ هَوَازِنُ النبي صلى الله عليه وسلّم بِرَضَاعِهِ فِيهِمْ، فَتَحَلَّلَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَما كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم يَعِدُ النَّاسَأَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنَ الفَيءِ وَالأَنْفَالِ مِنَ الخُمُسِ، وَما أَعْطَى الأَنْصَارَ،وَما أَعْطَى جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ تَمْرَ خَيبَر

هذه ترجمة ثالثة في بيان أن خمس الغنيمة موكول إلى رأي الإِمام، يصرفه‏.‏ كيف يشاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏برَضَاعِه فيهم‏)‏ أي إنَّما سألوه بِسَبَبِ رَضَاعه فيهم‏.‏

قوله‏:‏ فتحلَّل من المُسْلمين ترجمته معاف كرواديا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم يَعِدُ النَّاسَ أن يُعْطِيَهُم مِن الفَيء‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ فلف فيه الفيء أيضًا، ولا خلاف فيه، فإِنه موكولُ إلى رأي الإِمام عندنا أيضًا، وإنما الكلام في خُمس الغنيمة، هل يستقِلُّ به الإِمام، أو يُصْرف إلى مُسْتحِقِّيه لا محالة‏؟‏

3131، 3132- قوله‏:‏ ‏(‏إنّي ‏(‏قد‏)‏ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إليهم سَبْيَهُم‏)‏ فعبَّرَه ههنا بالردِّ، وعبره عنه‏:‏ ص 445- ج ا بالمنِّ، وسيجيء عنده أنه كان إعتاقًا، وحينئذٍ تَسْقُط منه تراجِمُه كلُّها في الهبة- غر الذرى- سفيد كوهان والى‏.‏

3136- قوله‏:‏ ‏(‏حِينَ افتتح خَيْبَرَ، فأَسْهم لنا، أو قال‏:‏ فأَعْضَانا مِنْها‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وغَرَضُ البخاريِّ أَنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم قَسَم خُمْس الغنيمةِ حيث شاء الله، فعلم أن مَصَارِف الخمس ليست منحصرةً فيما ذَكَره القرآن‏.‏

باب‏:‏ ما مَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم عَلَى الأُسَارَى مِنْ غَيرِ أَنْ يُخَمِّس

وهذه أيضًا ناظِرةٌ إلى مذهب مالك، فإِنه إذا من عليهم، ولم يأخذ منهم الخُمْس، دَلّ على كونِه رأي الإِمام، فإِنَّ نفس الخُمْس إذا كان إلى رَأْيه، ققِسْمَتُه بالأَوْلى‏.‏

باب‏:‏ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِلإِمامِ وَأَنَّهُ يُعْطِي بَعْضَ قَرَابَتِهِ دُونَ بَعْضٍ‏:‏ ما قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم لِبَنِي المُطَّلِبِ وَبَنِي هَاشِمٍ مِنْ خُمُسِ خَيبَر

هذه ترجمةٌ رابعةٌ، تدلَّ على أنه ذَهَب في الخُمْس إلى مذهب مالك، كما قررناه‏.‏

قوله‏:‏‏(‏وقال عمرُ بنُ عبد العزيز‏:‏ لم يَعُمَّهم بِذَلك‏)‏ويعني أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يُعْطِ مِن ذي قرابته كلَّهم، بل قَسَم لبني المُطَّلب، وبني هاشم فقط، ثُم لم يُعْط منهم كُلّهم أيضًا، بل أعطى بَعْضًا دون بعض، فدلَّ على أن ما ذُكِر في القرآن إنما هو مصارِفُ له فقط، دون مُسْتحِقِّيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإن كان الذي أعطى أبعد قرابةً مِمَّنْ لم يعطِ‏)‏ فخبرُكان مُقدَّر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يَخُصَّ قريبًا دونَ مَنْ أحوجُ إليه‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ قلت‏:‏ وهذا نَظَرُ الحنفيةِ أنَّ العبرة في أهل قرابةِ النبي صلى الله عليه وسلّم للفقر دون جهة القرابة، فليست القرابةُ جهةً مستقلة عندنا، فوافَقنا في هذا النَّظَر، وإنْ كان وافَق في أصل المسألة مالكًا، كما مرَّ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يُخَمِّسِ الأَسْلابَ، وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلا فَلَهُ سَلَبُهُ مِنْ غَيرِأَنْ يُخَمَّسَ، وَحُكْمِ الإِمامِ فِيه

وراجع «الهداية» لتفسير السَّلَب، والسَّلَب عندنا تحت وِلاية الإِمام، فإِن أعلن به فهو للقاتِل، وإلا فيحرز إلى الغنيمةِ، ويؤخذ منه الخُمْس، فليس السَّلَبُ دائمًا للقاتِل عندنا‏.‏ أما قوله‏:‏ «مَنْ قتل قتيلا» الخ، فمحمولٌ على إعلانه في تلك الحرب خاصَّةً، ونظيرُه قولُه صلى الله عليه وسلّم «مَنْ أحيا أرضًا ميتةً، فهي له، فإِنَّه محمولٌ عندهم على بيانِ تملُّك الأرضِ مُطْلقًا، وعندنا يُشْترط له الإِذنُ الجزئيُّ مِن الإِمام‏.‏

3141- قوله‏:‏ ‏(‏أيّكُما قَتَلَه‏)‏ وإنما قال تطييبًا لخاطِرهما، وإلا فالقاتِلُ مَنْ كان أَثْخَنه، ولذا أعطاه سَلَبه‏.‏

باب‏:‏ ما كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم يُعْطِي المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَغَيرَهُمْ مِنَ الخُمُسِ وَنَحْوِه

ولعله ذَكَر المؤلَّفة قلوبُهُم تأييدًا لما اختاره، مِن أنَّ الخُمْس إلا الإمام، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم إذا أعْطَاهُم- مع أنَّهم لا ذِكْر لهم في القرآن- دَلَّ على أنَّ المذكورين فيه مصارِفُ لا غَيْرُ، ولذا وسع له أن يَصْرِفه إلى غيرهم أيضًا، فثبت أن لا مَزيَّةَ لمن سُمِّي في القرآن على غيرهم‏.‏ ونقول‏:‏ إنَّ هؤلاء كانوا مصارِفَ إلى زمنٍ، ثُم نُسِخ، أو انتهى الحُكْم بانتهاء العِلَّة، فلا حُجَّة فيه‏.‏

3144- قوله‏:‏ ‏(‏إن عُمَر بن الخطَّاب قال‏:‏ يا رسولَ الله، إنه كان عليَّ اعتكافُ يوم‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، ومرَّ الحديث مِنْ قَبْل، وفيه اعتكاف ليلةٍ، وكان المصنِّف ترجم على ذل اللفظ، وقد كنا نبهناك على أنه ورد فيه لفظُ اليوم أيضًا، فلا يتم ما رامه المصنِّف‏.‏

3151- قوله‏:‏ ‏(‏كُنْتُ أَنْقُل النَّوَى‏)‏ وهو من مقولةِ أسماء، زوجة عبد الله بن الزُّبير، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أقطعه أرضًا‏.‏ وقد مرَّ معنا أن الإِقطاع في السَّلف كان بمعنى إحياء الموت، لا بمعنى كونها مرفوعةً عنها المؤن، وكونها عَفْوًا‏.‏

باب‏:‏ ما يُصِيبُ مِنَ الطَّعَامِ في أَرْضِ الحَرْب

وقد أجاز الفقهاءُ أَكْلَ الطعام، وكلّ ما يتسارع إليه الفسادُ على قَدْر الحاجة، ومنعوا عن اتخاذ الخُبنة، فدلَّ على كَوْنه مستثنى من الخُمْس‏.‏

كتاب‏:‏ الجِزْيَةِ وَالمُوَادَعَة

باب‏:‏ الجِزْيَةِ وَالمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالحَرْب

أي معاهدة المسلمين من أهل الذِّمة، وإنما آثر لَفْظ الموادعة على المعاهدة، لأن الموداعة تُشْعِر بمادتها بعدم كونها مطلوبةً، لأن مادَّتها تدل على معنى التَّرْك، فمعناه تَرْكُ التعرُّض لهم، بخلاف المعاهدة، فإِنَّه يدلُّ على كونِه مطلوبًا، وحقًا لازمًا على المسلمين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 9‏)‏ أي هم لا يَتِبَّعون شريَعَتكُم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والمَسْكَنَة‏)‏ مَصْدَرَ المِسْكين، أَسْكَن فلان أَحْوج منه، يريدُ أَنَّ قوله‏:‏ أسكن فلان من المسكنة، لا من السكون، وإن كان أصلُ المادة واحدًا، وتحقيقُ معنى الإِلحاق لا يوجدُ أَبْسَط مما ذكر المَازَنْدَرَاني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وما جاء في أَخْذَ الجِزيةِ من اليهودِ والنَّصارى والمَجْوس والعَجَم‏)‏، واعلم أَنَّ الجِزْيةَ تُؤخذ عندنا من سائر المعجم، وليس في بالِغِى العربِ، ومقاتليهم إلا السيف، أو الإِسلام، فإِنَّ الرسول نزل فيهم، وبلسانِهم فكُفْرُهم أشدّ من أنْ تُقبل منهم الجِزيةُ، وأما عند الشافعي فلا تُؤخذ إلا مِن أَهْل الكتاب، فإِنَّ كُفْرهم أَخفُّ من الآخرين، بقي المَجوسُ، فكان عمرُ تردَّد في ضَرْب الجِزْيةِ عليهم في أَوَّل أَمْرِه، ثُمَّ لما حدَثَّه عبدُ الرحمن بن عَوْف أنهم كانوا فرقة مِن أهل الكتاب‏.‏ صَلُّوا كتابَ نبيِّهم قَبِل منهم الجزيةَ، إلا أنه لم يأذن لهم في نكاح المحارم‏.‏ وراجع الطحاوي، ولا يُدْرَى ماذا أراد المصنِّفْ من زيادة العجم‏؟‏ إنْ أراد منهم الوثنيينَ ففيه دليلٌ على موافَقَةِ مذهب الإِمام، حيثُ تُؤخذ الجزيةُ عندنا منِ أهل الكتاب وغيرِهم من الكفار أيضًا، بخلاف الشافعي؛ وإنْ كان المرادُ منه أهلَ الكتاب منهم، فلا دليلَ فيه على ما قلنا، والمتبادر هو الأول، لأنه ذَكَرهم بعد اليهودِ والنَّصارى، وهم أهلُ كتاب‏.‏ ثُم إنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام إذا نَزل مِن السماء يَضَع الجزيةَ، ويَرْفع هذا الشقِّ رأسًا‏.‏

ثُم اعلم أن الجزية إذا ضُربت بالموادَعة، فعلى ما وقعت عليه، وإنْ كان من جانب الأمير بدون الموادعة‏.‏ فعلى التفصيل الذي ذُكر في الفقه‏.‏

3156- قوله‏:‏ ‏(‏فأتانا كتابُ عمرَ بن الخطاب قَبْل موتِه‏:‏ قَرَّقوا بين كُلِّ ذي مَحْرَم من المجوس‏)‏ فكأَنَّه شَدَّد في أَمْرِ النِّكاح بين المحارم، ولم يتحمَّله ممن عقدَ معهم عَقْدَ الذِّمة أيضًا، حتى إنه خَيِّرهم بين أن يفارِقوا محارِمَهم، فيقرُّوا في دارِنا، أو يتحوَّلُوا إلي أيِّ جهة أرادوا، وذلك لشناعتهِ، وظهور بطلانه، لأنه ليس دينُ سماويُّ إلا وقد حرَّمه، وليس الغَرَضُ منه نَقْضَ عقدِ الذِّمَّة رأسًا، وإنما لم يَتْرُكْهم وما يدينونَ في هذا الجزء فقط، وإلا فَقد أَمَرنا بِتَرْك التعرُّضِ لهم في دينهم بعد الإِسلام، وإنْ ترافعوا إلينا نَحْكُم بينهم، كما في الإِسلام‏.‏ وفي تخريج «الهداية» عن محمد ابن أبي بكر يَسْأل عليًا عن رجل مُسْلم زنى بذميِّةٍ، فكتب إليه‏:‏ أن أرجُم المُسْلم، وسَلَّم الذميةَ إلى أهلِ الذمة ليقضُوا عليها ما عندهم مِن شَرْعِهم‏.‏

3159- قوله‏:‏ ‏(‏بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ في أَفْنَاء الأَمصار‏)‏ ، واعلم أنَّ فارس كانت تطلق في القديم على القرى القارسية، أما اليوم فكلُّ مَنْ كانت لسانُه فارسيةً يقال له‏:‏ فارسي، ولا كذلك في الاصطلاح القديم‏.‏

3159- قوله‏:‏ ‏(‏فأَسْلَم الهُرْمُزانُ‏)‏ مَلِكَ تُسْتر، معرَّب شوستر، أَسَرُوه فجاءوا به إلى المدينةِ، ووظفوا ليه، قيل‏:‏ إنه كان أَسْلمع بلِسانه، ولم يكن دَخَل الإِيمانُ بقلبه، ومِن دسائسه استُشهد عمرُ‏.‏

3160- قوله‏:‏ ‏(‏فقال النُّعْمانُ‏:‏ ربماأَشْهَدَك الله مِثْلها‏)‏ ترك النمانُ القِصَّة الأُولى، ودخل في الأخرى، وسأل المغيرة عما في الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وَتَحْضُرَ الصلواتُ‏)‏ ومحطُّه أنَّ للصَّلوات مدْخلا في النُّصْرة‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَادَعَ الإِمامُ مَلِكَ القَرْيَةِ، هَل يَكُونُ ذلِكَ لِبَقِيَّتِهِم

يعني إذا كان الصُّلْح مع الكفار، فلا يكون مع كلِّ واحدٍ منهم، بل يكفي مَلِك القريةِ، فيكفي عن جميعهم لأنَّ موادَةَ الملك موادَةٌ لرعيتِهِ‏.‏

3161- قوله‏:‏ ‏(‏بِبَحْرِهم‏)‏ وه بستى جودر ياكى كَنارى هو‏.‏

باب‏:‏ الوَصَاةِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم

3162- قوله‏:‏ ‏(‏أَوْصِنا يا أميرَ المؤمنين‏)‏ قالوا له حينَ خَرَج‏.‏

باب‏:‏ ما أَقْطَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم مِنَ البَحْرَينِ، وَما وَعَدَ مِن

مَالِ البَحْرَينِ وَالجِزْيَةِ، وَلِمَنْ يُقْسَمُ الفَيءُ وَالجِزْيَةُ

- قوله‏:‏ ‏(‏حتى تَلْقَوْني على الحَوْض‏)‏ فيه دليلٌ على كونِ الحَوْض على نهاية السفر، فدلُّ على كونِه بعد الصراط؛ واعلم أنا قد تكلمنا مرةً على حديث أَنس، وقد ذكرنا ما قال فيه العلماء، وسنح لنت الآن أن نَذْكُر فيه ما هو الرأي عندنا، فنقولُ‏:‏ إنَّ الحديثَ كما عند الترمذِّي أنه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أين أَطْلُبك يا رسول الله يوم القيامة‏؟‏ فقال له‏:‏ اطلبني على الصِّراط، وإلا فعند الميزانِ، وإلا فعند الحَوْضِ- بالمعنى- ومرَّ عليه الشاه عبد العزيز، واستشكل عدمَ الترتيب بين هذه المواضع، فوَجَّهه بأنَّ المرادَ أني لا أزال أتردَّد بين هذه الموضع، فتارةً أَلْقاك ههنا، وأخرى هناك، فكأنه صلى الله عليه وسلّم لا يكون له استقرارٌ في موضع من المَحْشر، مادام تحاسب أُمته، فيراقِبُ أُمته في مواضع الأَهْول كلها‏.‏

والذي تَبَيِّن لي- ولا يبعد أن يكون صوابًا- أنه أَمَرَه أَوَّلا بِطَلبه عند الصِّراط، لأن المَحْشر فضاءٌ، واسع، يتعسَّرُ فيه الطلبُ واللقاء، فدلَّهُ على مَوْضع يَجْتمِع فيه الناسُ، فإِنَّه ليس من أهل المَحْشر، إلا ويكونُ له مرورٌ على الصِّراط، فَيَسْهُل الالتقاءُ هناك، ولأنه لا مجتمع بعد عُبور المَحْشَر إلا هو، فإِنَّ لم تجدني هناك فاطلبني في هذا الجانب من الصراط، أو وراءَهُ، ولا أكونُ في هذا الجانب إلا عند الميزانِ، وإنْ جاوزت الصراط، فلا تجدني إلا عند الحَوْض، فالحوضُ بعد الصِّراط عندي عرفا أبهى يهى كهتى هين كه كجهى بل برد يكه لينا أو اكروهان نه ملاتويا آرهونكا يابار‏.‏

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيرِ جُرْم

باب‏:‏ إِخْرَاجِ اليَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَب

3166- قوله‏:‏ ‏(‏مَنْ قتَل مُعَاهِدًا لم يَرَحِ رائِحةَ الجَنَّةِ ومُخُّ الحديثِ‏:‏ إنَّك أيها المخاطَب قد عَلِمت ما في قَتْل المسلم من الإِثم، فإِن شناعتَه بلغت مَبْلَغ الكُفْر، حيث أوجب التخليدَ، أما قَتْل مُعاهدٍ، فأيضًا ليس بَهِّين، فإِنَّ قاتِله أيضًا لا يَجِدَ رائحةَ الجنة‏.‏

باب‏:‏ إِذَا غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ، هَل يُعْفَى عَنْهُمْ‏؟‏

باب‏:‏ دُعَاءِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدًا

3169- قوله‏:‏ ‏(‏قوله‏)‏ أي اليهود‏.‏

3169- قوله‏:‏ ‏(‏نكُونُ فيها‏)‏ أي النَّار‏.‏

3169- قوله‏:‏ ‏(‏يسيرًا، ثم تَخْلُفُونا فيها‏)‏ نعم، ولقولهم مَنْشأ نَبَّه عليه الشاه عبد العزيز، وهو أَنَّه لم يزل يُذْكر في الأديان السماوية أنَّ المؤمن العاصي يُعذَّب يسيرًا، ثُم يَنْجوُ، فهؤلاء الملاعنةُ يَزْعمون أنفسُهم مؤمنين فاسقين، والمسلمين كفَّارًا، فقالوا ما قلوا‏.‏

باب‏:‏ أَمَانِ النِّسَاءِ وَجِوَارِهِن

وأمانُ الحرِّ، أو الحُرَّة معتبرٌ عندنا، ولو بلا إذْن الإِمام؛ نعم للإِمام أن يَنْبِذه على سواء إنْ رآه خلافَ مصلحته، وبعزِّزه، وحاصله أَنَّ المعاملةَ إذا وقعت مع الكفارِ فوضِيعُنا وعزيزُنا فيها سواء، فلا فَرْق بين الوضِيع والشريف، ولا تُرَاعى في مقابلتهم إلا جهة الإِسلام، يعني غير قوم كى مقابلة مين برى جهوتى كما فرق نه ركها كيا بلكه مسلمًا هونى كى رعايت كى فينفذ تأمينُ كلِّ مَنْ كان من أهلِ الولاية والإِسلام، عزيزًا أو وَضِيهًا، حرًّا، أو حُرَّةً‏.‏

باب‏:‏ ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَجِوَارُهُمْ وَاحِدَةٌ يَسْعى بِهَا أَدْنَاهُم

وهذه الوَحدة كما أنَّ صلاةَ الجماعةِ واحِدةٌ عندنا وإن اشتملت على أَلف صلاةٍ، فكذلك ذِمَّةُ المسلمين أيضًا، سواء كان المعاهدون واحدًا أو ألفًا‏.‏

3172- قوله‏:‏ ‏(‏فَمَنْ أَخْفَر‏)‏ عهد شكن بنايا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا قَالُوا‏:‏ صَبَأْنا وَلَمْ يُحْسِنُوا أَسْلَمْنَا

- ‏(‏وقال‏:‏ تَكَلَّم لا بأْس‏)‏ وهذا جين جيء بُهرْمُزان أسيرًا، فلماذا رآه عمرُ تَقْشَعِرّ جلودْه، وترعد فرائصُه، قال له‏:‏ تكلم لا بأس، ثُم نسي عمرُ من مقالته ذلك، وقال بعد ذلك‏:‏ إني سأَقْتُلك، فقال له الهُرْمُزَان‏:‏ إنك لست تستطيعُه، قال‏:‏ فكيف ذلك‏؟‏ قال‏:‏ أما قلتَ الآن‏:‏ مترس فهو أَمِن، فسأل عمرُ أَنسًا عن ذلك، فأَقَرَّ به، فعفا عنه‏.‏

باب‏:‏ المُوَادَعَةِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالمَالِ وَغَيرِهِ،وَإثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالعَهْد

باب‏:‏ فَضْلِ الوَفَاءِ بِالعَهْد

يعني أما المصالحةُ بأَخْذ الأموالِ عنهم فهي طريقةٌ مسلوكةٌ، فإِنَّ اضطرُ المسلمونَ إلى بَذْل المال إليهم مِن عندهم، فلا بأسَ، به أيضًا ويكونُ جائزًا‏.‏

3173- قوله‏:‏ ‏(‏انطَلقَ عبدُ الله سَهْل‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وفي الحديث قِصَّة القَسامة، وهي تجري فيما ‏(‏إذا‏)‏ وُجِدَ القاتل في محلِّ الدِّية، ولم يُعلم قاتِلُه، وراجع تفصيلها في الفقه‏.‏ واليمينُ لا يتوجَّ في القسامة عند إمامنا على المُدْعي بل يَحْلِف خمسونَ رَجُلا من المدَّعي عليهم بالله ما قتلناه، ولا علمنا قَاتِلَه، ثُم تَجِبَ عليهم الدِّيةُ لأَوْليا المقتول، وفائدةُ الحَلِف دَرْءُ القِصاص عنهم، وتبَيُّن القاتِل إنْ علموه، وقال الشافعيُّ‏:‏ بل يتوجَّهُ اليمينُ أَوَّلا على المُدَّعِين فإِنْ فعلوه، وجبت الدِّيَّةُ على المدَّعي عليهم، وإلا يتوجَّهُ اليمينُ علي المُدَّعَى عليهم، فإِنْ حَلفوا تَسْقُط عنهم الدِّية‏.‏ ثُم إنه لا قِصاص عندنا، وعند الشافعيِّ في صورة‏.‏ وقال مالك ابنُ أنس‏:‏ إنَّ المين يتوجَّه أولا على أولياء القتيل، ليحلِفُوا على أَنَّ فلانًا قاتِلُه، ويُشْترط أن يبيِّنُوا سبب العداوةِ بين القتيل والقاتِل، فإِذا حلف خمسونَ منهم على أنَّ فلانًا قَتَله، وَبيِّنوا العدواةَ أيضًا يُقْتَصُّ منه، وإلا فيتوجَّه اليمينُ على المُدَّعَى عليهم، كمذهب الشافعي‏.‏

والحاص أن اليمينَ يتوجَّه أَوَّلا على المُدَّعِي عند مالك، والشافعيِّ، غير أن مالكًا أوجب القِصَاص في صورةٍ، بخلاف الشافعيِّ، فإِنه لا قِصاص عنده في صورةٍ، أما الإِمام الأعظم، فقد مشى فيها على الضابطةِ العامَّة، أن البينةَ على المُدَّعِي، والمينَ على مَنْ أنكر، فلم يقل ببدايةِ اليمينِ على المُدَّعين، ولكن يتوجَّه الحَلِف على المُدَّعَى عليهم، ولا قِصاص عنده أيضًا في صورةٍ، كما هو عند الشافعي، وهو مذهبُ عُمَر، واختاره البخاريُّ أيضًا، كما سيجيء في موضعه، وراجع «الجَوْهر النقي» فإِنَّه تكلَّم عليه كلامًا جيدًا‏.‏

3173- قوله‏:‏ ‏(‏فذهب عبدُ الرحمن يتكلَّم، فقال‏:‏ كَبِّرْ كَبِّر‏)‏ وإنما أرادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أن يَسْمع القِصَّةَ، أولا من مُحَيِّصة، وحُوَيِّصَة، وإن كان حَقُّ الدَّعْوى لعبد الرحمن أخي القتيل، ثُم إذا يَبْلغ أوانْ الدَّعْوى يتقدَّم أخوه، ويدَّعي، كما هو الطريق المعروف، وإنما أَخَّره في سماع القصة، لكونِه أحدثَ القوم، يمكن أن لا يأتي بها على وَجْهها‏.‏

3173- قوله‏:‏ ‏(‏فقال‏:‏ اتحلِفُون وتستحِقُّون دم قاتلكم‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ كياتم جوهر قتيل كى اوليا‏.‏‏.‏‏.‏الخ، فيه حجَّةٌ للشافعيِّ، فإِنه وَجَّه المين أَوَّلا على المُدَّعيين، وعندي هو استفهامٌ فقط لا أنه صَرْف اليمين إليهم على شاكِلةِ القضاء، والمسألة، وإنَّما أراد به يقروا مِن عند أَنْفُسهم أنهم كيف يَحْلِفون، وهم لم يشهدوه، فإِنْ أنكروا عنه يقضي بيمين المُدَّعى عليهم، فإِذْن هو طريقُ كلامٍ، وخطاب، ولذا قالوا‏:‏ كيف نَخْلِف، ولم نَشْهد‏؟‏ فدلَّ على أنه كان على طَوْر المجاراة مع الخَصْم لا غير، ولذا قال‏:‏ فتبرِئكُم اليهودُ بخمسينَ يمينًا‏؟‏ فقالوا‏:‏ كيف نأخذُ أَيْمانَ قوم كُفَّار‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، ولكنهم إذا لم تكن عندهم بينةٌ، وأَبَوا عن اليمين أيضًا لَزِمهم أن يرضوا بأَيْمان المدَّعَى عليهم لا محالة، وإنْ كانوا قومًا كاذبين، فإِنَّ الإِمام ليس عليه الاطلاعُ على الوقائع، وإنما يقضي على الضابطة، فإِذا أنكروا عن البينةِ واليمين، لم تبق صورة إلا القضاء بأَيْمانهم، وهذا الذي كان يريدُه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بتوجِيه اليمين إليهم، لينْكُلوا عنه، فينصرف اليمينُ إليهم، ولا يبقى احتمالٌ غيرُه، وي الروايات أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كتب إلى يهوِ خيبرَ أن يَحْلِفوا، فكتبوا إليه‏:‏ إنَّك لو أمرتنا به نَفْعله، ولكنا لم نَعْلَم قاتِلْه، فودَاه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم من بين المال، ولم يهدر دَمَه، وإنما فعل ذلك لأنه كان يومئذٍ بينه وبينهم صُلْحٌ، كما في بعض طرقه في «الصحيحين»، وتجِب الديةُ في بعض الصَّور على بيتِ المال عندنا أيضًا، وفيه دليلٌ للحنفيةِ على أن دمَ القتيل لا يُهْدَر بحال، بخلافِه عند الشافعيِّ، فإِنه لو حلف خمسونَ من المدَّعَى عليهم لا يجِب عنده ديةٌ، ولا قِصَاص‏.‏

باب‏:‏ هل يُعْفَى عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَر

باب‏:‏ مَا يُحْذَرُ مِنَ الغَدْر

3175- قوله‏:‏ ‏(‏حتى كان يُخَيَّل إليه أَنَّه صنع شيئًا، ولم يَصْنَعْه‏)‏ وقد سبق إلى بعضِ الأوهام أن السِّحر مما لا بنبغي أن يمشي على الأنبياء عليهم السلام، فإِنه بوجِب رَفْع الأمان عن الشرع‏.‏ قلت‏:‏ وإنما يلزم ذلك لو سَلَّمناه في أمور الشريعة، أما لو مشى عليه من غيرِ هذا الباب فلا غائلة فيه‏.‏ وإنَّما سِحر النبيُّ صلى الله عليه وسلّم في أَمْر النِّساء، فكان يُخيَّلُ إليه أنه قادِرٌ على النِّساء، ولا يكون قادرًا، وهذا النوعُ من السِّحرْ معروفٌ عند الناس، ويقال له في لسان الهند‏:‏ فلان مرد كوبانده ديا‏.‏

ثم إنَّ السحر له تأثيرٌ في التقليب من الصِّحة إلى المرض، وبالعكس، أما في قلب الهامية فلا، وما يتراءى فيه من قَلْب الماهية لا يكونُ فيه إلا التَّخْييلُ الصرف، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى‏}‏ ‏(‏طه‏:‏ 66‏)‏ فلم تَنْقلب الحبالُ إلى حيَّات، ولكن خُيِّل إليه أنها انقلبت‏.‏ وهذا ما نُسِب إلى أبي الحنيفة أنَّ في السِّحْر تخييلا، فقط، ولا يريدُ به نفي التأثير مُطْلقًا‏.‏ فإِنَّه معلومٌ مَشْهودٌ، بل يريد به نَفِي التأثير في حَقِّ قَلْب الماهياتِ‏.‏ ولا رَيْب أن ليس له فيه تأثيرٌ غير التخييل، ومِن ههنا ظهَرَ الفَرْق بين المعجزةِ والسِّحْر، فإِنَّ المعجزةَ خاليةٌ عن التخييل، فهي على الحقيقةِ البحتةِ، ونَفْس الأَمْرَ الصرف، ولذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإِذا هي تَلْقَف ما صَنَعوا‏}‏ ‏(‏طه‏:‏ 69‏)‏ أي جِعلت تَفْعل فعل الأُفْعُوان، من بلْع الحيات، وأَكْلِها، ولو كان تخييلا فقط، لم تفعل ذلك فَنبَّه على تحقيقها، وحَقَّق تخييل السِّحر، فافهم‏.‏

2371- قوله‏:‏ ‏(‏3176‏:‏ ‏(‏عقاص غنم‏)‏ داء الطاعون في الغنم‏.‏

باب‏:‏ كَيفَ يُنْبَذُ إِلَى أَهْلِ العَهْد

- قوله‏:‏ ‏{‏فَانبِذْ إِلَيْهِمْ‏}‏‏(‏الأنفال‏:‏ 58‏)‏ صاف بات نكهرى هوئى كهدو‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عى سَواء‏)‏ ‏(‏الأَنفال‏:‏ 58‏)‏ جتنا تمهين معلوم هي أوتنا أونهين معلوم هوجاوى‏.‏

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَر

باب‏:‏ المُصَالَحَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُوم

3179- قوله‏:‏ ‏(‏مَنْ أَحْدَث حَدَثًا‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏الخ، أي مَن زاد عليهم مِن السلاطن في الجبايات، وأخذ منهم مالا ظُلْمًا، وهذا مصداقة الأولى، ثُم صار عامَّا لِكُلِّ مبتدع في المدينة‏.‏

3180- قوله‏:‏ ‏(‏إذا لم تَجْتَبُوا دِينارًا ولا دِرْهمًا‏)‏ أي لم تأخذوه على وَجْه الجِباية، والخَراج، يعني جزيه وصول نهوكا‏.‏

3180- قوله‏:‏ ‏(‏فيُشُدُّ اللهاُ قلوبَ أهلِ الذِّمة‏)‏ خدا أونكى دلون كوسخت كرديكا أوروه صاف جواب ديدينكى‏.‏

باب‏:‏ المُوَادَعَةِ مِنْ غَيرِ وَقْت

باب‏:‏ طَرْحِ جِيَفِ المُشْرِكِينَ فِي البِئْرِ، وَلا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَن

باب‏:‏ إِثْمِ الغَادِرِ لِلبَرِّ وَالفَاجِر

ليس هذا من الموادَعة، في شيء، وإنما كان تَرَكهم ليزرَعوا في أرضها، ويردُّوا منه إلى بيت المال ما وجب عليهم فيه‏.‏

59- كِتَابُ بَدْءِ الخَلقِ

وقد مرَّ نظائرُه من قوله‏:‏ «بَدْء الوحي»، و«بَدْء الحَيْضِ»، فهذا «بَدْء الخَلْقِ»‏.‏ ويَذْكُرُ في ضِمْنِهِ الأحوالَ، إلى الحشر‏.‏ وهذا الكتابُ في كُتُبِ الأحاديث أقربُ إلى سِفْر التكوين من التوراة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}‏‏)‏ ‏(‏الروم‏:‏ 7‏)‏ أَتَى بِصيغة التفضيل رعايةً لحال المُخَاطَبِينَ، ومُجَارَاةً لهم، فإن الإِعادةَ عندهُم أسهلُ من الإِبداع، وإلاَّ فالكلُّ سواء بالنسبة إلى قدرته، فإن الله تعالى لا مُكْرِهَ له‏.‏

3191- قوله‏:‏ ‏(‏كان اللَّهُ، ولَمْ يَكُنْ شيءٌ غَيْرُهُ‏)‏ ومن لفظه‏:‏ «ولم يكن شيءٌ قَبْلهُ»، ولا أَذْكُرُ فيه لفظ‏:‏ «معه»‏.‏ والأَوْلَى اللفظُ الأوَّلُ، فإنه يَدُلُّ على أن سائرَ العالم بنَقِيرِه وقِطْمِيرِه حَادثٌ، بخلاف قوله‏:‏ «ولم يكن شيءٌ قبله»، فإنه وإن كان صحيحاً في نفسه، لكنه لا تَسْتَفَادُ منه المسألةُ المذكورةُ‏.‏ ثم إن هذه عقيدةُ الأديان السماوية كلِّها، وما من دينٍ حقَ إلاَّ ويَعْتَقِدُ بحدوث الأكوان، إلاَّ الله، واختار الشاه وليُّ الله في بعض رسائله قِدَمَ العالم، وتمسَّك بما عند الترمذيِّ إنه صلى الله عليه وسلّم سُئِلَ‏:‏ «أيْنَ كَانَ رَبَّنَا قَبْلَ أن يَخْلُقَ خَلْقَهُ‏؟‏ قال‏:‏ كان في عَمَاءٍ، ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وما تَحْتَهُ هَوَاءٌ‏.‏

3191- قوله‏:‏ ‏(‏وكَانَ عَرْشُهُ على المَاءِ‏)‏ وقد مرَّ‏:‏ أن هذا الماءَ إمَّا هو ما أَخْبَرَ به ابنُ مسعود‏:‏ أنه على مسافة خمس مئة سنةٍ فوق السموات، أو هذا الماءُ المعروفُ عندنا‏.‏ فالمرادُ منه كون العرشِ في طرفٍ، وفي طرفٍ آخرَ منه الماءُ، لا كونه مستقرّاً على الماء‏.‏

3191- قوله‏:‏ ‏(‏في الذِّكْرِ‏)‏‏:‏ أي اللوح المحفوظ‏.‏

3191- قوله‏:‏ ‏(‏فإذا هيَ تَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ‏)‏، معناه أنها بَعُدَتْ بُعْداً لا يَظْهَرُ دونه السَّرَابُ، مع أنه يَلْمَعُ من البُعْدِ، فإذا لم يَظْهَرْ السَّرَابُ أيضاً، دَلَّ على قطعها بُعْداً بعيداً، والغرضُ بيانُ بُعْدِهَا فقط‏.‏

3194- قوله‏:‏ ‏(‏فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ، إن رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي‏)‏ وفي لفظٍ‏:‏ «سَبَقَتْ غَضَبِي»، وتمسَّك به الشيخُ الأكبرُ على أن عذاب الجحيم لا يَدُومُ لأحدٍ، لأن الحديثَ يُخْبِرُ أن الرحمةَ والغضبَ تَسَابقا، فَسَبَقَتْ رحمتُه غضبَه، فإذا سَبَقَتْ لَزِمَ أن لا يَبْقَى أحدٌ تحت غضبه تعالى، ويَدُخُلَ كلُّهم في رحمته تعالى، ويَخْلُصَ من عذاب الله عزَّ وجلَّ، ولو آخِراً‏.‏ وذلك لأن النارَ تكون طبيعةً لهم، فَيَعِيشُون فيها غير معذَّبين، لكونهم ناريي الطبع‏.‏ كمائيِّ المَوْلِدِ، يَسْكُنُ في الماء، ولا يكون عليه ضيقٌ، وغيره لو سَكَنَ فيه مات من ساعته‏.‏

قلتُ‏:‏ ومذهبُ الجمهور‏:‏ أن جهنم عذابٌ سَرْمَدِيٌّ لمن فيها‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 56‏)‏‏.‏ وأمَّا السَّبْقِيَّة، فهي عندي في جانب المبدأ دون المنتهى، ومعناه‏:‏ أن الرحمةَ والغضبَ تَسَابَقَا عند ربك، فسَبَقَتْ الرحمة قبل سَبْقِ الغضب، فتقدَّمت عليه من هذا الجانب‏.‏ وذلك لأن الغضبَ يَحِلُّ بالمعاصي، والرحمة منشؤها الجود، فتأتي من غير سببٍ ولا استحقاقٍ‏.‏ بخلاف الغضب، فإنه يَنْتَظِرُ اقترافَ السيِّئات، واقتحام الموبقات، والرغبة عن التوبة، ثم التمادي في الغيِّ، فلا يأتي حين يأتي إلاَّ على مَهْلٍ، فتقدُّمها يَظْهَرُ في جانب المبدأ‏.‏

وأخذه الشيخُ الأكبرُ في الجهة الأخرى، فاضْطَرَّ إلى مخالفة الجمهور‏.‏ ثم إن تلك القاعدةَ فوق القواعد كلِّها، فهي كاختيارات الملك، ولهذا وَضَعَهَا على العرش، على نحو ما قالوا في استواء الحضرة الرحمانيَّة على العرش‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏(‏طه‏:‏ 5‏)‏ قالوا‏:‏ إنه فوق العوالم كلِّها، فدخلت كلُّها تحت الرحمة‏.‏ ولو استوى القهَّار على العرش، والعياذ بالله من قهره وجلاله، لَدَخَلَتْ كلُّها تحت القهر، فلم تَمْشِ على ظهر الأرض دابةٌ‏.‏

حكاية‏:‏ حاجَّ إبليسُ، مع الشيخ عبد الله التُّسْتُرِي أنك تقولُ‏:‏ إني أُعَذَّبُ في النار، وكيف يكون ذلك‏؟‏ مع أن الله تعالى أَخْبَرَ أن رَحْمَتَهُ وَسِعَتْ كل شيءٍ، أَلَسْتُ بشيءٍ‏؟‏ فَلِمَ أَدُخُلُ تحت الرحمة‏؟‏ فأجابه التُّسْتُري‏:‏ أن الرحمةَ للذين يُقِيمُونَ الصلاة ويُؤْتُونَ الزكاة، وبربهم يُؤْمِنُون، ولَسْتَ منهم‏.‏ فَضَحِكَ منه، وقال‏:‏ كنتُ أَرَى أنك عالمٌ عارفٌ، فإذا أنت ممن لا يَعْرِفُ شيئاً، قيَّدْتَ صفاته المطلقة، فإن اللَّهَ تعالى قادرٌ على الإِطلاق، وخالقٌ على الإِطلاق، فكذا هو رحيمٌ على الإِطلاق، وأنت تقيِّدُها، فلم يَدْرِ التُّسْتُرِي ما يقول له‏.‏

قلتُ‏:‏ ولا أدري ماذا أَفْحَمَ التُّسْتُري، وأين اللعين من قوله تعالى‏؟‏ فإنه ليس فيه إلاَّ بيان سَعَتِهَا، لا حكم بالرحمة، فهو على حَدِّ قولك‏:‏ هذه الدارُ تَسَعُ ألفَ رجلٍ، ولو لم يَدْخُلْ فيها واحدٌ، ففيه بيان لَسِعَتِهَا، لا حكم بكون هذا العدد فيها بالفعل‏.‏ فرحمةُ اللَّهِ أيضاً وَسِعَتْ العوالمَ كلَّها، وهذا اللعينُ أيضاً‏.‏ فلو أَرَادَ الدُّخُولَ فيها، لم يَجِدْ فيها ضيقاً، ولكن الشقيَّ إذا حَجَرَ نفسَهُ عنها، ولم يَدْخُلْها، فما ذنبُ الرحمة‏؟‏ ‏{‏أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَرِهُونَ‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 28‏)‏

باب‏:‏ ما جاءَ في سَبْعِ أرَضِين

وقد تكلَّمنا فيه من قبل مفصَّلاً، أن المرادَ منه طبقات تلك الأرض، أو العمرانات التي شُوهِدَتْ في السَّيَّارات، والكلُّ محتملٌ‏.‏ والحقُّ عند عالم الغيب والشهادة، لا يَعْلَمُهُ إلاَّ هو‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ‏}‏‏)‏، واعلم أنه ذهب بطليموس إلى أن هذا المشهود الأزرق ليس بِفَلكٍ، وإنما تتراءى الزُّرْقَة، لأن النورَ ليس إلاَّ إلى سبعة عشر فَرَاسِخ، وبعد ذلك ظلمةٌ شديدةٌ‏.‏ فإذا نَفَذَ البصرُ النورَ، وبلغ الظلمةَ، تَلُوحُ كالزُّرْقة، وذلك لأن من شرائط الانعكاس الكثافةَ، ولذا تتنوَّرُ الأرض‏.‏ وأمَّا السَّمَوَاتُ فلمَّا كانت لطيفةً، لا يَنْعَكِسُ فيها النور‏.‏ ولو كانت السمواتُ أيضاً كالأرض لاسْتَنَارَتْ، كاستنارتها بانعكاس النور‏.‏ وفي «فتح الباري»، عن القاضي أبي بكر‏:‏ أن ما تُدْرِكُهُ أبصارُنا ليس بسماء، وإنما السموات كلُّها فوق المشهود‏.‏ والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

3195- قوله‏:‏ ‏(‏طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ‏)‏، والمُتَبَادَرُ منه كون تلك الأَرَضِين صَمْداً، كالطبقة الواحدة‏.‏ ولقائلٍ أن يَقُولَ‏:‏ إنه يَمْكِنُ التطويق مع كونها سبعاً على حِدَةٍ أيضاً‏.‏

باب‏:‏ في النُّجُوم

واعلم أنها أجرامٌ تَسْبَحُ في الجو بأنفسها، لا أنها مَرْكُوزَةٌ في السموات تَدُورُ بدورها‏.‏ والقرآنُ لا يهتمُّ بأمرها، ولا يَذْكُرُهَا إلاَّ بالنور والاهتداء‏.‏ أمَّا النُّحُوسَةُ والبركةُ، فإنها أهونُ على الله من ذلك‏.‏ كيف وأنها مسخَّرةٌ تَصْعَدُ وتَغْرَب، تَغِيبُ وتُشْرِقُ، وتَدُورُ في كلِّ ساعةٍ كالخدَّام، فهي أصغرُ من أن تكونَ فيها النُّحُوسَةُ والبركةُ‏.‏ نعم يُعْلمُ من القرآن أن في السموات دفاتر، وفيها تدابير أيضاً، وإليه أشار البخاريُّ من قوله‏:‏ فمن تأوَّل فيها بغير ذلك أخطأ‏.‏

باب‏:‏ صِفَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَر

‏{‏بِحُسْبَانٍ‏}‏ قالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ كَحُسْبَانِ الرَّحى، وَقالَ غَيرُهُ‏:‏ بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لاَ يَعْدُوَانِهَا‏.‏ حُسْبَانٌ‏:‏ جَمَاعَةُ حِسَابٍ، مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ‏.‏

‏{‏ضُحَهَا‏}‏ ‏(‏الشمس‏:‏ 1‏)‏‏:‏ ضَوْؤُهَا‏.‏ ‏{‏أَن تدْرِكَ القَمَرَ‏}‏ ‏(‏يس‏:‏ 40‏)‏‏:‏ لاَ يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُمَا ذلِكَ، ‏{‏سَابِقُ النَّهَارِ‏}‏‏:‏ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ‏.‏ ‏{‏نَسْلَخُ‏}‏ ‏(‏يس‏:‏ 37‏)‏‏:‏ نُخْرِجُ أَحَدَهُما مِنَ الآخَرِ وَنُجْرِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ‏{‏وَاهِيَةٌ‏}‏ ‏(‏الحاقة‏:‏ 16‏)‏‏:‏ وَهْيُهَا تَشَقُّقُهَا‏.‏ ‏{‏أَرْجَآئِهَآ‏}‏ ‏(‏الحاقة‏:‏ 17‏)‏‏:‏ ما لَمْ يَنْشَقَّ مِنْهَا، فَهيَ عَلَى حافَتَيهِ، كَقَوْلِكَ‏:‏ عَلَى أَرْجاءِ البِئْرِ‏.‏ ‏{‏وَأَغْطَشَ‏}‏ ‏(‏النازعات‏:‏ 29‏)‏ وَ ‏{‏جَنَّ‏}‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 76‏)‏‏:‏ أَظْلَمَ‏.‏

وَقالَ الحَسَنُ‏:‏ ‏{‏كُوّرَتْ‏}‏ ‏(‏التكوير‏:‏ 1‏)‏ تُكَوَّرُ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْؤُهَا‏.‏ ‏{‏وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ‏}‏ ‏(‏الانشقاق‏:‏ 17‏)‏‏:‏ جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ‏.‏ ‏{‏اتَّسَقَ‏}‏ ‏(‏الانشقاق‏:‏ 18‏)‏‏:‏ اسْتَوَى‏.‏ ‏{‏بُرُوجًا‏}‏ ‏(‏الحجر‏:‏ 16‏)‏‏:‏ مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالقَمَرٍ‏.‏ ‏{‏الْحَرُورُ‏}‏‏:‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 21‏)‏ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ الحَرُورُ بِاللَّيلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ، يُقَالُ‏:‏ ‏{‏يُولِجُ‏}‏ ‏(‏الحج‏:‏ 61‏)‏ يُكَوِّرُ، ‏{‏وَلِيجَةً‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 16‏)‏‏:‏ كُلُّ شَيءٍ أَدْخَلتَهُ في شَيءٍ‏.‏

باب‏:‏ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاح

نُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ‏}‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 57‏)‏

‏{‏قَاصِفًا‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 69‏)‏‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏كُوّرَتْ‏}‏‏)‏ أي يُسْلَبُ نُورُها‏.‏ وقد عَلِمْتَ أن العالمَ كلَّه في حَيِّزِ جهنَّم، من صَعَدَ منها إلى الجنة نَجَا، ومن بَقِيَ فيها بقي، فلا إشكالَ في إلقاء الشمس والقمر في جهنَّم، فإنهما فيها الآن أيضاً، وليس للتعذيب‏.‏

3199- قوله‏:‏ ‏(‏فإنها تَذْهَبُ حتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ‏)‏ واعلم أن القرآن أخْبَرَ بسجود ظلِّ الأشجار، وأَخْبَرَتْ الأَحاديثُ بسجود الشمس‏.‏ وتحقيقُهُ على ما ذَكَرَهُ الشاه رفيع الدين في كتابه «تكميل الأذهان»‏:‏ أن سجودَ كلِّ نوعٍ ما يَلِيقُ بشأنه، فسجودُ الظلِّ‏:‏ وقوعُهُ على الأرض، فهو في السجود دائماً‏.‏ وسجود الشمس‏:‏ ميلُها من الاستواء إلى الغروب، وهي عند الطلوع شبه القاعد، وعند الاستواء كالقائم، وعند الدُّلُوك كالرَّاكِعِ، وعند الغروب شبه الساجد، وإليه أَشَارَ بعض الصوفية، وأجاد‏:‏

دون جشمي له خم شدا زهر ركوع *** خورشيد رخ كه سر بسجود است أينجا

3199- قوله‏:‏ ‏{‏وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ قال البَيْضَاوِيُّ‏:‏ إنها لا تَزَالُ تجري كذلك إلى يوم القيامة، فإذا دنا الأجلُ سَكَنَتْ‏.‏ فإن قلتَ‏:‏ حينئذٍ ناقَضْتَ الآيةَ والحديثَ، فإن مستقرَّها على تفسير يوم القيامة، والحديثُ يَدُلُّ على أنها تذهب كل يوم تحت العرش، وتؤذن بالسجود، وذلك مستقرُّها‏.‏ قلتُ‏:‏ لا يَلْزَمُ أن يكونَ الحديثُ شرحاً لِمَا في القرآن دائماً‏.‏ فلعلَّ ما ذكره البَيْضَاوِيُّ تفسيراً للقرآن، وما ذكره الحديثُ فهو اقتباسٌ منه‏.‏ أمَّا تحقيقُ جريان الشمس، فقد تكلَّمنا فيه مرَّةً، وحقَّقنا أن القرآن قد يَعْتَبِرُ الواقعَ بحسب الحِسِّ أيضاً، كما أنه يَعْتَبِرُ الواقعَ بحسب نفس الأمر، فَيُدِيرُ الأحكامَ على ما هو المشهود‏.‏ ومن هذا الباب قوله‏:‏ ‏{‏وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا‏}‏ فإن جريانها مشاهدٌ، سواء كانت جاريةً في الواقع بحسب نفس الأمر، أو لا، وهو الذي يُنَاسِبُ شأن القرآن‏.‏ فإنه لو كان بَنَى كلامَهُ على نفس الأمر الواقعيِّ في كلِّ موضعٍ، لَمَا آمن به كثيرٌ من البشر، فإن من فطرته الجمود على تحقيقه‏.‏ فلو قال القرآن‏:‏ الفلكُ متحرِّكٌ، كما يقوله أصحاب الهيئات القديمة، لكذَّبه الناسَ اليوم، ولم يؤمنوا به، لأنه ثَبَتَتْ عندهم حركة الأرض‏.‏ ولو بناه على ذلك لكان مكذَّباً فيما بينهم، وإن آمن به الناسُ اليوم‏.‏ مع أنك تَعْلَمُ أن نفسَ الأمر الواقعيِّ لا يَخْلُو عن أحد هذين الأمرين، مع استحالة الاجتماع‏.‏ فلذا أَغْمَضَ عنه، وبَنَى كلامَه على واقعٌ يشترك فيه العامة والخاصَّة، فافهم، وتشكَّر‏.‏ وسأعود إلى تفسيره في صورة يس أبسط من هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏لَوَاقِحَ‏}‏‏)‏ من قبِيلِ قولهم‏:‏ ومختبط ممَّا تطيح الطوائح أي الملحقات حامله بنا نيوالين‏.‏

3206- قوله‏:‏ ‏(‏مَخِيلَةً‏)‏‏:‏ سحابة يَخَالُ فيها‏.‏

باب‏:‏ ذِكْرِ المَلاَئِكَةِ صَلَواتُ الله عليهم

وَقَالَ أَنَسٌ‏:‏ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ لِلنبي صلى الله عليه وسلّم إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيهِ السَّلاَمُ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلاَئِكَةِ‏.‏

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏{‏لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ‏}‏‏:‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 165‏)‏ المَلاَئِكَةُ‏.‏

وَقَالَ هَمَّامٌ‏:‏ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم «فِي البَيتِ المَعْمُورِ»‏.‏

وَتَابَعَهُ أَبُو عاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ قالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي مُوسىبْن عُقْبَةَ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم قالَ‏:‏ «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نادَى جِبْرِيلَ‏:‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَناً فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ في أَهْلِ السَّمَاءِ‏:‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَناً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأَرْضِ»‏.‏

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ‏:‏ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بِهذا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ‏.‏ وَرَوَى أَبُو هُرَيرَةَ وَفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم أَن جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُهُ القُرْآنَ‏.‏

واختلفوا في اشتقاقه، فقيل‏:‏ من الألوكة، وقيل‏:‏ من لئك‏.‏ والمختار عندي أنه من المِلْكِ، بمعنى الولاية، وهو جمع مَلِيك لا مَلَك، فهو على وزن فَعَائِلَة عندي، وعندهم على وزن مَعَافِلَة، والتاء للنقل من الاسميَّة إلى الوصفيَّة‏.‏ والملائكةُ أجسامٌ لطيفةٌ سريعةُ الحركة، تتشكَّلُ بأشكالٍ مختلفةٍ، وعند الصوفية‏:‏ من عالم المِثَال‏.‏ وراجع له «شرح السلم لبحر العلوم»، وقد مرَّت نبذةٌ منه في المقدمة‏.‏

وقد مرَّ‏:‏ أن علماء الشريعة أيضاً صرَّحُوا بكونهم أرواحاً لطيفةً، كما صرَّحوا بكون الشياطين أرواحاً خبيثةً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال ابن عَبَّاسٍ‏:‏ إنا لَنَحْنُ الصَّافُونَ‏.‏ المَلاَئِكَةُ‏)‏، فالصفُّ من خواصِّ نوعهم، وأمَّا الإِنْسُ، فهم فيه تَبَعَق لهم‏.‏ ومن ههنا ظَهَرَ معنى الحصر‏.‏ وهذا هو معنى التشبيه في قوله صلى الله عليه وسلّم «أَلاَ تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكةُ عند ربهم»، فهم أصلٌ في الاصطفاف‏.‏

3207- قوله‏:‏ ‏(‏بين النَّائِمِ واليَقْظَانِ‏)‏ واعلم أن هذا حالٌ في الأنبياء عليهم السلام، يُشْبِهُ الكشفَ في الأولياء، وأنهم يَرَوْن في هذا الحالِ يقظةً ما نراه في الرؤيا، ويعبِّرُ عن هذا الحالِ بين النوم واليقظة، فافهم‏.‏

3207- قوله‏:‏ ‏(‏فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وصرَّح الشيخُ الأكبرُ‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يَلْقَ أحداً منهم بسجده الناسوتي غير عيسى عليه الصلاة والسلام‏.‏ ولا بُدَّ عندي أن يكونَ فيه عند الرفع تروُّحٌ، كما صرَّح به مولانا الرومي‏:‏ أن الأرواحَ في عالم المثال تتجسَّد، والأجسادَ تتروَّحُ‏.‏

3207- قوله‏:‏ ‏(‏وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ‏)‏ قيل‏:‏ إنه بَيْتٌ حِذَاءَ الكعبة على كلِّ سماءٍ، والأرجحُ أنه على السماء السابعة، وهو قِبْلَةٌ للملائكة على السموات‏.‏

3207- قوله‏:‏ ‏(‏أَمَّا الظَّاهِرَانِ، النيل والفُرَات‏)‏ واعلم أنا قد رَأَيْنَا الشرعَ يُطْلِقُ على مبادىء الأشياء الظاهرة أيضاً أسماءَ تلك الأشياءِ بعينها، كالفرات، والنيل في الظاهر؛ فإن لهما مبدآن في الباطن، وعَالَم الغيب، فأطلق الشرعُ أسامي الظاهر منهما على مبادئهما أيضاً‏.‏ ونظيرُه الرَّعْدُ، فإن الشرعَ يُخْبِرُ أنهُ صوت الرعد، وأهلُ الفلسفة ذَكَرُوا له أسباباً، وهو أيضاً صحيحٌ في الجملة‏.‏ ولكن ما ذَكَرُوه أسبابه في الظاهر، وما دَلَّ عليه الشرعُ هو مبدأٌ لِمَا في الظاهر، فاشترك الاسم لا محالة، وليس على الشرع أن يتعرَّضَ إلى الأسباب الظاهرة‏.‏ وذكر عند مسلم‏:‏ نهران آخران أيضاً، سَيْحَان وجَيْحَان، وهما غير سَيْحُون وجَيْحُون، إذ الأوَّلان من آرمنياء بقرب الشام، والأخيران في أطراف بَلْخٍ، وبُخَاري‏.‏

3208- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّ أَحَدَكُمْ يَجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ‏)‏، واختلف أهلُ السُّنَّةِ أن الأرواحَ مخلوقةٌ قبل الأبدان، أو تُخْلَقُ معها‏.‏ والفلاسفةُ أيضاً مختلفون فيه‏.‏ وذهب أبو عمر إلى الأوَّل، ومال ابن القيِّم إلى الثاني، وذكر تأويل الأحاديث التي تمسَّك بها أبو عمر‏.‏ أمَّا أنا، فلا أريد الآن أن أخوضَ في هذه اللَّجَّةِ‏.‏

3209- قوله‏:‏ ‏(‏ثم يُوْضَعُ لَهُ القُبُولُ‏)‏ فالقَبُول إن بدا من خواصِّ عباده إلى العوام، فهو أمارةٌ لكونه نازلاً من السماء‏.‏ أمَّا إذا بدا من العوام كالأنعام، فالله يدري ما هو صانعٌ به‏.‏

3215- قوله‏:‏ ‏(‏ويَتَمَثَّلُ لي المَلَكُ أحياناً رَجُلاً‏)‏- المَلَكُ ههنا فاعلٌ، ورجلاً مفعول، مع اتحاد المِصْدَاق، فإن الرجلَ والملكَ في هذا الموضع عبارتان عن ذاتٍ واحدةٍ‏.‏ وهكذا قلت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكِن شُبّهَ لَهُمْ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 157‏)‏ أن نائبَ الفاعل في ‏{‏شُبّهَ‏}‏ ضميرٌ يَرْجعُ إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، وقد مرَّ تقريره مبسوطاً‏.‏

باب‏:‏ إِذَا قالَ أحَدُكُمْ‏:‏ آمِينَ وَالمَلاَئِكَةُ في السَّمَاءِ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى،غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه

وهذا البابُ غريبٌ في سلسلة ذكر الملائكة، إلاَّ أنه أدخله في أضعاف ذكرهم لفائدةٍ، وهي‏:‏ أنهم موكَّلُون على قول‏:‏ آمين أيضاً‏.‏

3226- قوله‏:‏ ‏(‏إلاَّ رَقْمٌ في ثَوْبٍ‏)‏، وظاهرُه يَدُلُّ على جواز التصاوير المنقوشةِ المسطَّحَةِ، إلاَّ أنه قد مرَّ منِّي غير مرَّةٍ‏:‏ أن المسائلَ لا تُؤْخَذُ من حديثٍ واحدٍ، ولكن تُجْمَعُ أحاديثَ الباب كلَّها، ثم تُبْنَى عليها المسائل‏.‏ ولا بَحْثَ لنا مع مَنْ زَاغَ، فَأزَاغَ اللَّهُ قلبَه‏.‏

3231- قوله‏:‏ ‏(‏يَوْمَ العَقَبَةِ‏)‏، وهذه واقعةُ الطائف حين انصرف النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وهو محزونٌ مهمومٌ، فلم يَسْتَفِقْ من همِّه حتَّى بلغ قرن الثعالب‏.‏

3231- قوله‏:‏ ‏(‏فَنَادَاني مَلَكُ الجِبَالِ‏)‏ فيه الترجمةُ، لدلالته على أن المَلَكَ موكَّلٌ على الجبال أيضاً‏.‏

3235- قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏ثُمَّ دنَى فَتَدَلَّى‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قالت‏:‏ ذَاكَ جِبْرِيلُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ قلتُ‏:‏ وفي البخاريِّ عن أنسٍ‏:‏ أن فاعلَه هو اللَّهُ جلَّ مجده، وتصدَّى له الحافظ‏.‏

3239- قوله‏:‏ ‏(‏جَعْداً‏)‏ قد يكون صفةً للشعر، وهو الذي فيه حجونة‏.‏ وقد يُقَالُ للرجل المَكْتَنِزِ الأعضاء‏.‏

3239- قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَآئِهِ‏}‏‏)‏، وقد تَلاَها الراوي في غير محلِّها، ولا مناسبَة لها مما قبلها‏.‏ واتفق العلماءُ على أنه من قول الراوي ههنا‏.‏

باب‏:‏ ما جاءَ في صِفَةِ الجَنَّةِ وَأَنَّها مَخْلُوقَة

قالَ أَبُو العَالِيَةِ‏:‏ ‏{‏مُّطَهَّرَةٌ‏}‏ مِنَ الحَيضِ وَالبَوْلِ وَالبُزَاقِ، ‏{‏كُلَّمَا رُزِقُواْ‏}‏ أُتُوا بِشَيءٍ، ثُمَّ أُتُوا بِآخَرَ‏.‏ ‏{‏قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ‏}‏ أُتِينَا مِنْ قَبْلُ ‏{‏وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَبِهاً‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 25‏)‏‏:‏ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَيَخْتَلِفُ في الطُّعُومِ ‏{‏قُطُوفُهَا‏}‏ يَقْطِفُونَ كَيفَ شَاؤُوا ‏{‏دَانِيَةٌ‏}‏ ‏(‏الحاقة‏:‏ 23‏)‏‏:‏ قَرِيبَةٌ‏.‏

‏{‏الاْرَآئِكِ‏}‏ ‏(‏الكهف‏:‏ 31‏)‏‏:‏ السُّرُرُ‏.‏ وَقالَ الحَسَنُ‏:‏ النَّضْرَةُ فِي الوُجُوهِ، وَالسُّرُورُ في القَلبِ‏.‏ وَقالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏سَلْسَبِيلاً‏}‏ ‏(‏الإنسان‏:‏ 18‏)‏‏:‏ حَدِيدَةُ الجِرْيَةِ ‏{‏غَوْلٌ‏}‏ وَجَعُ البَطْنِ ‏{‏يُنزِفُونَ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 47‏)‏ لاَ تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ‏.‏ وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏{‏دِهَاقاً‏}‏ ‏(‏النبأ‏:‏ 34‏)‏ مُمْتَلِئاً‏.‏ ‏{‏وَكَوَاعِبَ‏}‏ ‏(‏النبأ‏:‏ 33‏)‏ نَوَاهِدَ‏.‏ الرَّحِيقُ‏:‏ الخمْرُ‏.‏ التَّسْنِيمُ‏:‏ يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الجَنَّةِ ‏{‏خِتَمُهُ‏}‏ طِينُهُ ‏{‏مِسْكٌ‏}‏ ‏(‏المطففين‏:‏ 26‏)‏‏.‏ ‏{‏نَضَّاخَتَانِ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 66‏)‏ فَيَّاضَتَانِ‏.‏ يُقَالُ‏:‏ ‏{‏مَّوْضُونَةٍ‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 15‏)‏ مَنْسُوجَةٌ، مِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ وَالكُوبُ‏:‏ ما لاَ أُذُنَ لَهُ وَلاَ عُرْوَةَ، وَالأَبَارِيقُ‏:‏ ذَوَاتُ الآذَانِ وَالعُرَا‏.‏ ‏{‏عُرُباً‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 37‏)‏ مُثَقَّلَةً، وَاحِدُهَا عَرُوبٌ، مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ، يُسَمِّيهَا أَهْلُ مَكَّة‏:‏ العَرِبَةَ، وَأَهْلُ المَدِينَةِ‏:‏ الغَنِجَةَ، وَأَهْلُ العِرَاقِ‏:‏ الشَّكِلَةَ‏.‏

وَقالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏رَّوْحِ‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 89‏)‏ جَنَّةٌ وَرَخاءٌ، وَالرَّيحَانُ‏:‏ الرِّزْقُ‏.‏ وَالمَنْضُودُ‏:‏ المَوْزُ‏.‏ وَالمَخْضُودُ‏:‏ المُوقَرُ حَمْلاً، وَيُقَالُ أَيضاً‏:‏ لاَ شَوْكَ لَهُ‏.‏ وَالعُرُبُ‏:‏ المُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ‏.‏ وَيُقَالُ‏:‏ ‏{‏مَّسْكُوبٍ‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 31‏)‏ جارٍ‏.‏ ‏{‏وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 34‏)‏ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ‏.‏ ‏{‏لَغْواً‏}‏ بَاطِلاً ‏{‏تَأْثِيماً‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 25‏)‏ كَذِباً‏.‏ ‏{‏أَفْنَانٍ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 48‏)‏ أَغْصَانٌ‏.‏ ‏{‏وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 54‏)‏ ما يُجْتَبى قَرِيبٌ ‏{‏مُدْهَآمَّتَانِ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 64‏)‏ سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ‏.‏

وَقَالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ الإِبْكَارُ‏:‏ أَوَّلُ الفَجْرِ‏:‏ وَالعَشِيُّ‏:‏ مَيلُ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ- أُرَاهُ- تَغْرُبَ‏.‏

فيه ردٌّ على المعتزلة، فإنهم أَنْكَرُوا كونهما مخلوقين من قبل‏.‏ والتحقيقُ عندي أنه قد سبق تخطيط درجاتهما، فهما مخلوقتان من قبل‏.‏ ثم إن الجنة لتزخرف بعد من الأعمال الصالحة، وإن جهنم لتوقد من الأعمال الصالحة، فَتُضَاعَفَان زينةً وعذاباً‏.‏ ولذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ليلة المِعْرَاج‏:‏ «بلِّغ أمَّتَكَ منِّي السلام، وقُلْ لها‏:‏ إن الجنةَ قِيعَانٌ طيبة التربة، وغِرَاسُها‏:‏ سبحان الله، والحمد »- بالمعنى ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏التَّسْنِيمُ‏)‏- مزاجٌ لخمر الجنة، يُلْقَى فيها لطيب رائحته‏:‏ ملوني جو شراب برخو شبو كيلئي دَالتي رهين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وَضِينُ النَّاقَةِ‏)‏‏:‏ تنك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المَوْزُ‏)‏‏:‏ كيلا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ‏)‏ أي‏:‏ شادابي وسيرابي كيوجه سي‏.‏

3240- قوله‏:‏ ‏(‏فإنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ‏)‏، وفي الحديث إشارةٌ إلى أن ما في القبر هو العَرْضُ فقط، وأمَّا الدخولُ فيكون بعد الحشر‏.‏ وفيه‏:‏ أن بدايةَ التلذُّذ بنعيم الآخرة من القبر، ونهايتَهُ في الجنة، والتحضيضُ بالوقتين على شاكلة الطعام في الدنيا‏.‏

3241- قوله‏:‏ ‏(‏فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءِ‏)‏ قلتُ‏:‏ وهذه مشاهدةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم في هذا الوقت، فلعلَّهن كُنَّ إذ ذاك أكثرها، وليس فيه بيانُ حكم جميع النساء، ولا مشاهدة جميع الأزمان، فلا إشكال فيما سيرد في الحديث‏:‏ «أن لكلِّ رجلٍ من أهل الجنة زوجتين»، فكيف يمكن كونهن أكثرَ أهل النار‏؟‏ على أن الزوجتين الموعودتين من الحُورِ العين، كما هو عند البخاريِّ‏:‏ «زوجتان من الحور العين»، وليس فيه أن هاتين من بنات آدم، إلاَّ أن يَثْبُتَ في طريقٍ من الطرق، فلينظره‏.‏

3243- قوله‏:‏ ‏(‏سِتُّونَ مِيلاً‏)‏، وهو الأكثرُ، وفي بعض الروايات‏:‏ «ثلاثون ميلاً» أيضاً‏.‏

3245- قوله‏:‏ ‏(‏لا يَبْصُقُونَ فيها ولا يَمْتَخِطُون‏)‏ قال الصدر الشِّيرازِي، وهو شيعيٌّ صوفيٌّ‏:‏ إن أهلَ الجنةِ تَغْلِبُ عليهم الروحانية، وأهلَ النارِ تَغْلِبُ عليهم المادية، فتوسَّع أجسامهم، كما في الحديث‏.‏ وهذا ما أراده الشيخُ الأكبرُ من قوله في الكبريت الأحمر‏:‏ إن أهلَ الجنة يكونون في العالم الطبيعيِّ، وأهلَ النار في العالم العنصريِّ‏.‏ والعالمُ الطبيعيُّ عنده فوق العالم العنصريِّ‏.‏ واصطلاحُه هذا يحتاج إلى التفهيم والتقرير، إلاَّ أن مآلَه إلى ما ذكره الشِّيرَازيُّ‏.‏

3245- قوله‏:‏ ‏(‏مَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ‏)‏ قيل‏:‏ تكون المَجَامِرُ نفسها من الأَلُوَّةِ، وقيل‏:‏ تكون هي وقودها‏.‏

3245- قوله‏:‏ ‏(‏لا اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ‏)‏ واعلم أن المؤمنين يَدْخُلُون الجنةَ، طائفةً طائفةً، والتقدُّم والتأخُّر بينهما يكون بحسب تفاوت أعمالهم‏.‏ فالتي تساوت أعمالاً تَدْخُلُ معاً، ولا يَظْهَرُ فيها الترتيب‏.‏ ولذا وَرَدَتْ الزحمة في الحديث عند دخول باب الجنة، حتَّى تنتقل المَنَاكِب‏.‏ وهو معنى ما في حديث سَهْل عند البخاريِّ من هذه الصفحة‏:‏ «لا يَدْخُلُ أوَّلهُم حتَّى يَدْخُلَ آخرُهم»، يعني يَدْخُلُون معاً‏.‏

باب‏:‏ صِفَةِ أَبْوَابِ الجَنَّة

وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ»‏.‏

فِيهِ عبَادَةُ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم

وقد أَجَادَ الشاه عبد القادر في نكتة كون أبوابها ثمانية، فراجعه‏.‏ ثُمَّ اعلم أن أهلَ الجنة إنما أُوتُوا في الجنَّة مثل الدنيا، وما فيها، وعشرة أضعاف ذلك، لأنهم دُعُوا بالملوك في حديث عند مسلم، والملوكُ تناسِبُهم السَّعَة في مملكتهم‏.‏ فاندفع ما قد يَخْتَلِجُ في الصدور، أنهم ماذا يفعلون بهذا الملك الوسيع، فإنه ليس للحاجة إليه، بل لأجل التشريف‏.‏

باب‏:‏ صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّها مَخْلُوقَة

‏{‏وَغَسَّاقاً‏}‏ ‏(‏النبأ‏:‏ 25‏)‏ يُقَالُ‏:‏ غَسَقَتْ عَينُهُ وَيَغْسِقُ الجُرْحُ، وَكَأَنَّ الغَسَاقَ وَالغَسَقَ وَاحِدٌ‏.‏ ‏{‏غِسْلِينٍ‏}‏ ‏(‏الحاقة‏:‏ 36‏)‏ كُلُّ شَيءٍ غَسَلتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ فَهُوَ غِسْلِينُ، فِعْلِينُ مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجُرْحِ وَالدَّبَرِ‏.‏

وَقَالَ عِكْرمَةُ‏:‏ ‏{‏حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏(‏الأنبياء‏:‏ 98‏)‏ حَطب بِالحَبَشِيَّةِ‏.‏ وَقَالَ غَيرُهُ ‏{‏حَاصِبًا‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 68‏)‏ الرِّيحُ العَاصِفُ، وَالحَاصِبُ مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ ‏{‏حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏، يُرْمى بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ حَصَبُهَا، وَيُقَالُ‏:‏ حَصَبَ فِي الأَرْضِ‏:‏ ذَهَبَ، وَالحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنْ حَصْبَاءِ الحِجَارَةِ‏.‏ ‏{‏صَدِيدٍ‏}‏ ‏(‏إبراهيم‏:‏ 16‏)‏ قَيحٌ وَدَمٌ‏.‏ ‏{‏خَبَتْ‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 97‏)‏ طَفِئَتْ، ‏{‏تُورُونَ‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 71‏)‏ تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيتُ أَوْقَدْتُ، ‏{‏لِلمُقْوِينَ‏}‏ ‏(‏الواقعة‏:‏ 73‏)‏ لِلمُسَافِرِينَ، وَالقِيُّ القَفرُ‏.‏

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏{‏صِرطِ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 23‏)‏ سَوَاءُ الجَحِيمِ وَوَسَطُ الجَحِيمِ‏.‏ ‏{‏لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 67‏)‏ يُخْلَطُ طَعَامَهُمْ وَيُسَاطُ بِالحَمِيمِ‏.‏ ‏{‏زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 106‏)‏ صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ‏.‏ ‏{‏وِرْداً‏}‏ ‏(‏مريم‏:‏ 86‏)‏ عِطَاشاً‏.‏ ‏{‏غَيّاً‏}‏ ‏(‏مريم‏:‏ 59‏)‏ خُسْرَاناً‏.‏ وَقَالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏يُسْجَرُونَ‏}‏ ‏(‏غافر‏:‏ 72‏)‏ تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ‏.‏ ‏{‏وَنُحَاسٌ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 35‏)‏ الصُّفرُ، يُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، يُقَالُ‏:‏ ‏{‏ذُوقُواْ‏}‏ ‏(‏الحج‏:‏ 22‏)‏ بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا، وَلَيسَ هذا مِنْ ذَوْقِ الفَمِ‏.‏ ‏{‏مَارِجٌ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 15‏)‏ خَالِصٌ مِنَ النَّارِ، مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ إِذَا خَلاَّهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، ‏{‏مَّرِيجٍ‏}‏ ‏(‏ق‏:‏ 5‏)‏ مُلتَبِسٌ، مَرِجَ أَمْرُ النَّاسِ اخْتَلَطَ‏.‏ ‏{‏مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 19‏)‏ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ‏:‏ تَرَكْتَهَا‏.‏

رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الأَعْمَشِ‏.‏

رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الأَعْمَشِ‏.‏ ‏(‏مسلم‏:‏ كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، رقم‏:‏ 2989‏)‏‏.‏ ‏(‏الحديث 3267- طرفه في‏:‏ 7098‏)‏‏.‏

3261- قوله‏:‏ ‏(‏فَقَالَ‏:‏ أَبْرِدْهَا‏)‏، أي الحُمَّى، وعند ابن ماجه‏:‏ «أن يُبْرِدَهَا»، بأن يُلْقي الماء على صدره، أو يُغْمَسُ في الماءِ‏.‏ وحمله ابن سينا على الحُمَّى الصَّفْرَاوِيِّ، فإنه يفيده دواء‏.‏

3267- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّكُمْ لَتَرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إلاَّ أُسْمِعُكُمْ‏)‏ يعني‏:‏ تمهارايه خيال معلوم هو تاهى كه اكرمين تمهارى سامنى هى كهون جب تومين نى كهاورنه مين نى كهاهى هين‏.‏

باب‏:‏ صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِه

وَقَالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏وَيَقْذِفُونَ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 8‏)‏ يُرْمَوْنَ‏.‏ ‏{‏دُحُوراً‏}‏ مَطْرُودِينَ‏.‏ ‏{‏وَاصِبٌ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 9‏)‏ دَائِمٌ‏.‏ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ ‏{‏مَّدْحُورًا‏}‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 18‏)‏ مَطْرُوداً‏.‏ يُقَالُ‏:‏ ‏{‏مَّرِيداً‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 117‏)‏ مُتَمَرِّداً‏.‏ بَتَّكَهُ‏:‏ قَطَّعَهُ‏.‏ ‏{‏وَاسْتَفْزِزْ‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 64‏)‏ اسْتَخِفَّ، ‏{‏بِخَيْلِكَ‏}‏ الفُرْسَانُ، وَالرَّجْلُ الرَّجَّالَةُ، وَاحِدُهَا رَاجِلٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَتَاجِرٍ وَتجْرِ‏.‏ ‏{‏لاحْتَنِكَنَّ‏}‏ ‏(‏الإِسراء‏:‏ 62‏)‏ لأَسْتَأْصِلَنَّ‏.‏ ‏{‏قَرِينٌ‏}‏ ‏(‏الزخرف‏:‏ 36‏)‏ شَيطَانٌ‏.‏

قالَ‏:‏ وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ مِثْلَهُ‏.‏

3268- قوله‏:‏ ‏(‏سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إَلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشيءَ، ومَا يَفْعَلُهُ‏)‏ وإنما بَقِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم على هذا الحال ستة، أو سبعة أشهر‏.‏

3268- قوله‏:‏ ‏(‏وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ‏)‏ أي كان ذلك السِّحْرُ تونا موضوعاً فيه، فأخرجه الصحابةُ رضي الله عنهم، ونَقَضُوه‏.‏ فَدَلَّ على أن نَقْضَ ما فيه السحر يُوجِبُ إبطال أثره‏.‏

3268- قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ الشَّيَطِينِ‏}‏‏)‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 65‏)‏‏.‏ فيه بيانٌ لما كانت في هذا المحلِّ من الوحشية، وقد كنتُ أرَدْتُ مرَّةً أن أدَّعِي أنه ليس في القرآن تشبيهٌ وتمثيلٌ مخيَّلٌ، إلاَّ أني كَفَفْتُ عنه لهذا التشبيه، فإنه مُخَيَّلٌ‏.‏ وراحع تفصيله من «الفوائد السمرقندية»، أمَّا قوله‏:‏ ‏{‏يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 20‏)‏ فليس بمخيَّل، بل هو واقعٌ على الصراط، كما هو عند مسلم‏.‏

3268- قوله‏:‏ ‏(‏دُفِنَتِ البِئْرُ‏)‏‏:‏ صلى الله عليه وسلّم ت دياكيا‏.‏

3280- قوله‏:‏ ‏(‏إذا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ‏)‏ أي أَقْبَلَتْ أوائله‏.‏

3280- قوله‏:‏ ‏(‏فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فإن الشَّياطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ‏)‏، وَفهِمْتُ من الأحاديث أن للشياطين انتشاراً وهجوماً بعد غروب الشمس، كهجوم الصِّبْيَان عند خروجهم من المدرسة‏.‏

3280- قوله‏:‏ ‏(‏وأَطْفِىء مِصْبَاحَكَ، واذْكُرِ اسْمَ الله‏)‏ ولعلَّ التسميةَ عند وضعه حين أناره، لا عند الإطفاء، فإن المناسبَ لحال التسمية هو بداية الأمور لا نهايتها‏.‏ فَلاَ أَدْرِي أَهُوَ وَهْمٌ من الرواة، أو المسألةُ ذلك‏.‏

3282- قوله‏:‏ ‏(‏فَقَالَ‏:‏ وَهَلْ بي جُنُونٌ‏)‏، وهي كلمةٌ عظيمةٌ، فلو كان قائلها مُسْلِماً وَجَبَ تخليص رقبته من الكفر بإِخراج مَحْمَلٍ صحيحٍ، وإن كان منافقاً استرحنا‏.‏

3286- قوله‏:‏ ‏(‏فَطَعَنَ في الحِجَابِ‏)‏، أي في الجلد الذي يكون فيه الصبيُّ‏.‏

3289- قوله‏:‏ ‏(‏التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ‏)‏، والحديث يُسْنِدُ العُطَاس إلى الرحمن، لأن الأوَّلَ يُوجِبُ الكسل، والشيطان يَرْضَى به، فأُسْنِدَ إليه إسنادَ الخبائث إليه‏.‏ والثاني يَدُلُّ على نشاط الطبع، والجودة عموماً، وإن كان في بعض الأحوال من المرض أيضاً، فَنَاسَبَ أن يُسْنَدَ إلى الرحمن، على سُنَّةِ إسناد الطيِّبات‏.‏

3292- قوله‏:‏ ‏(‏والحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُماً يَخَافُهُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فيه توجيهٌ إلى أن يَنْظُرَ أنَّ الحُلُمَ إن كان سطحُهُ مُوحِشاً، ممَّا يُظَنُّ أنه من الشيطان، نحو أن كان رؤيا مخيفةً، فهي من الشيطان‏.‏ وليس فيه بيانُ ضابطةٍ كلِّيةٍ لتميُّز حُلُم الشيطان من رؤيا الرحمن، وأنَّى يُمْكِنُ من العوام‏.‏ فافهم، واستقم، ولا تعجل‏.‏

3293- قوله‏:‏ ‏(‏مَنْ قَالَ‏:‏ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ،‏.‏‏.‏‏.‏ مِئةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ‏)‏ فَمَنْ قَالَها عشر مرات يَحْصُلُ له ثواب عتق رقبة، هذا هو الأصل عند الحافظ‏.‏ والمختارُ عندي ما عند الترمذيِّ، أي ثواب رقبة لمن قَالَها مرَّةً واحدةً، فهي رواية البخاريِّ وَهْمٌ من الراوي‏.‏ والأصلُ‏:‏ «من قالها عشر مرات، كانت له عَدْل عشر رقاب»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ والله تعالى أعلم بحقيقة الحال‏.‏

باب‏:‏ ذِكْرِ الجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِم

لِقَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَتِي‏}‏ إِلَى قَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 130- 132‏)‏، ‏{‏بَخْساً‏}‏ ‏(‏الجن‏:‏ 13‏)‏ نَقْصاً‏.‏ قالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 158‏)‏، قالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ‏:‏ المَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ‏.‏ قالَ اللَّهُ‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ‏}‏ ‏(‏الصافات‏:‏ 158‏)‏، سَتُحْضَرُ لِلحِسَابِ‏.‏ ‏{‏جُندٌ مٌّحْضَرُونَ‏}‏ ‏(‏يس‏:‏ 75‏)‏ عِنْدَ الحِسَابِ‏.‏

ونُسِبَ إلى إمامنا في الفقه‏:‏ أن لا ثوابَ لهم ولا عِقَابَ‏.‏ ورأيتُ في الخارج‏:‏ فيه مناظرةٌ بين أبي حنيفة، ومالك، فكان مالكُ يقولُ بدخولهم في الجنَّة، ويَقْرَأُ آيةً، وأبو حنيفة يُنْكِرْهُ، ويتلو آيةً، إلاَّ أنه لم يَذْكُرْ تلك الآيات‏.‏ والذي تبيَّن لي في هذا الباب‏:‏ أنهم يكونون تَبَعاً لنا في الجنَّة، كما أنهم تَبَعٌ لنا في الدنيا، فيأكلون زَادَهم مما أَفْضَلْنَا لهم، وكذلك لا يَسْكُنُون إلاَّ في الغيران والجبال، أي في الحواشي والأطراف، ونحن نَسْكُنْ في متن العمرانات، ولعلَّه ذلك حالَهم في الجنَّة، فيستمتعون بما يَتْرُكُ لهم الإِنسُ من المطاعم، والمشارب، والأماكن‏.‏ ولعلَّ هذا هو الذي أراده إمامُنَا، فحرَّف الناسُ في النقل، وعَزُوا إليه النفيَ مطلقاً‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الْجِنّ‏}‏ إِلَى قَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ فِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏(‏الأحقاف‏:‏ 29- 32‏)‏

‏{‏مَصْرِفًا‏}‏ ‏(‏الكهف‏:‏ 53‏)‏ مَعْدِلاً، ‏{‏صَرَّفْنَا‏}‏ أَي وَجَّهْنَا‏.‏

واعلم أنه لم يتبيَّن لي بعدُ، أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الْجِنّ‏}‏ من سورة الأحقاف، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ الْجِنّ‏}‏ من سورة الجن ‏(‏الآية‏:‏ 1‏)‏، هل هما واقعتان، أو واقعةٌ، والتعبيرُ بالنَّفَر في الموضعين يُشْعِرُ بوحدتهما، والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

باب‏:‏ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبَّةٍ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 164‏)‏

قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ الثُّعْبَانُ الحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا‏.‏

يُقَالُ‏:‏ الحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ‏:‏ الجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ‏.‏ ‏{‏ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 56‏)‏ في مِلكِهِ وَسُلطَانِهِ‏.‏ يُقَالُ‏:‏ ‏{‏صَآفَّتٍ‏}‏ بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ‏.‏ ‏{‏وَيَقْبِضْنَ‏}‏ ‏(‏الملك‏:‏ 19‏)‏‏:‏ يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ‏.‏

3297- قوله‏:‏ ‏(‏اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ‏)‏، قيل‏:‏ هما خَطَّان من رأسها إلى ذنبها، وقيل‏:‏ هما نقطتان على عينيها شبه حلمة الثدي‏.‏ وبَلَغني عن ثقةٍ‏:‏ أنه تُوجَدُ في العرب حيَّةٌ يكون على رأسها قرنان، كما يكون على رأس ثمر في الهند يُقَالُ له‏:‏ اسنكهاره، ولا يُعْدَ أن يكونَ المرادُ من الطَّفْيَتَيْن هما هذان القرنان‏.‏

باب‏:‏ خَيرُ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَال

قالَ‏:‏ وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ‏:‏ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ ما أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ‏:‏ «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ»‏.‏

باب‏:‏ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلنَ في الحَرَم

وَعنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ‏:‏ مِثْلَه‏.‏ قالَ‏:‏ وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً‏.‏ وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ‏.‏ وَقالَ حَفصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيمانُ بْنُ قَرْمٍ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ‏.‏

قالَ‏:‏ وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ‏:‏ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلّم مِثْلَهُ‏.‏

3302- قوله‏:‏ ‏(‏الإِيمَانُ يَمَانٍ‏)‏، وذلك لكونهم أوَّلَ إجابةٍ لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلامَ، حين نادى للحجِّ، وكونهم مسلمين عن طَوْعٍ منهم‏.‏

3303- قوله‏:‏ ‏(‏إِذَا سَمِعْتُم صِيَاحَ الدِّيَكَةِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وفي بعض الروايات‏:‏ «أن تحت العرش ديكاً إذا صَاحَ، صَاحَ ديكُ الدنيا»، وإسنادُه ضعيفٌ‏.‏

3305- قوله‏:‏ ‏(‏فُقِدَتْ أُمَّةٌ من بني إِسْرَائِيلَ، لا يُدْرَى ما فَعَلَتْ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، ومن آثارِهِ أن الفأرةَ إذا قَدَّمْتَ إليها لبنَ الإِبل، فإنها لا تَشْرَبُهُ، فإن بني إسرائيل لم يَكُونُوا يَشْرَبُونَهُ‏.‏ قيل‏:‏ إن الأُمَّةَ إذا مُسِخَتْ، فإنها لا تبقى فوق ثلاثة أيام، فكيف يُمْكِنُ أن تكونَ الفأرة منها‏؟‏ وأُجِيبَ أن المرادَ منه المسخ في جنسها، لا أنها من الأُمَّةِ الممسوخةِ بشخصها‏.‏ قلتُ‏:‏ إن الأحاديثَ التي وَرَدَتْ في بقاء الأُمَّةِ الممسوخةِ إلى ثلاثة أيامٍ، ليست بكليَّةٍ أيضاً‏.‏

3311- قوله‏:‏ ‏(‏الجِنَّانَ‏)‏ قال الترمذيُّ هي حيَّةٌ كقضيب الفضة في البياض، لا تَلْوِي في المشية‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَليَغْمِسْهُ،فَإِنَّ في إِحْدَى جَنَاحَيهِ دَاءً وَفِي الأُخْرَى شِفَاء

قلتُ‏:‏ وأمرُ الغَمْسِ وإن كان مُطْلَقاً في الحديث، لكنه مقيَّدٌ عندي بما لم يكن الشيءُ حارَّاً، لأن الغَمْسَ فيه لا يزيد إلاَّ شرّاً، وقال بعضُهم‏:‏ إن الذبابَ كثيراً ما يَطِيحُ على النجاسات، فينبغي أن لا يُغْمَسَ في البارد أيضاً‏.‏ قلتُ‏:‏ وهذا جَهْلٌ، لأن حاصلَه‏:‏ رفعُ مِصْدَاق الحديث من الوساوس، والشُّبُهَات‏.‏ نعم إن كانت بقربه نجاسةٌ، فطار منها، ثم وَقَعَ في شيءٍ، فذاك محلُّ تأمُّلٍ‏.‏ ولينظر فيه المُحَدِّث أنه هل من فَرْقٍ بين الذباب الواقع من مكانٍ نظيفٍ، ليست حوله نجاسةٌ، وبين الواقع من مكانٍ في حواليه تلك‏.‏ وإنما لم يتعرَّض له الفقهاء، لأن وظيفتهم الحِلُّ والحُرْمَةُ، والطهارةُ والنجاسةُ، ولعلَّ ما عليه من النجاسة ليست بنجاسةٍ عندهم، فإنها قليلةٌ جداً، فلم يتعرَّضوا إليه لذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن في إحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وفي الأُخْرَى شِفَاءً‏)‏ قال الدَّمِيرِي‏:‏ وجرَّبْتُ أنه يقدِّم الجناحَ الأيسرَ في الغَمْسِ، وفيه الداء، والشفاء في الأيمن، فليغمسه أيضاً، ليكون هذا بهذا‏.‏ وقرَّر ابنُ القيِّم أن من صُنْعِ الله تعالى أنه لم يَخْلُقْ السُّمَّ من الحيوانات، والجمادات، والنباتات، إلاَّ وخَلَق بجنبها تِرْياقاً لها، فأخبثُ الحيوانات الحيَّةُ، وتِرْيَاقُها على رأسها، ويُقَال له‏:‏ حجر الحية، وكذا خبث الجمادات‏:‏ هيرا وخُلِقَ تِرْيَاقُه‏:‏ زمرد، وكذا أخبثُا لأشجار بيس، وتِرْيَاقُه نربس أي الجدوار، خُلِقَ بقربه‏.‏ فكذلك الذُّبَابُ إذا خُلِقَ في إحدى جَنَاحَيْهِ داءٌ، خُلِقَ بقربه دواؤه، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحسنُ الخالقين‏.‏

3322- قوله‏:‏ ‏(‏لا تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ‏)‏ قال ابن قُتَيْبَة في مختلف الحديث‏:‏ إن الشيطانَ أَشْبَهُ بالكلب، فإنَّهُ يَشُمُّ الأشياء كشمِّه، ويَعْدُو عليك كعدو الكلب، فإذا ذَكَرْتَ اللَّهَ تلكَّأ كالكلب عند رؤية العصا، وهو معنى الخنَّاس‏.‏ ولذا قال‏:‏ لا ينبغي أكل الطعام عند الكلب، لأن له عيناً، كعين الإِنسان، فَتَلُمُّ به‏.‏